منذ العام الماضي 2015، كانت الحكومة السعودية على موعد مع بدء الإصلاحات الاقتصادية التي تساهم في ترشيد الإنفاق والقضاء على الهدر والفساد مع زيادة فعالية الجهاز الحكومي الذي سيحمل اقتصادنا السعودي إلى بر الأمان. لذا ومن منطلق الحاجة إلى الإسراع إلى تبني مبادرات سريعة المردود، فإن ما تم تبنيه من إجراءات تقشفية المرتبطة بزيادة العوائد غير النفطية وتصحيح وتقييم بعض التشوهات القائمة في الإنفاق الحكومي من مشروعات غير ذات جدوى أو التي لا تمثل أولوية للاقتصاد، وحتى الإعانات المعطاة لمختلف القطاعات والتي هدفت في الأصل إلى توفير مستوى معيشة أفضل لناكسعوديين.

لذا فإن مجمل هذه الإجراءات التي تم تبنيها في الفترة الأخيرة كانت محاولة جراحية بسيطة تزيل التورم القائم، لكنها لم تكن كافية لاستئصال هذا النزيف الذي يعاني منه الجسم الاقتصادي. كما أن المسكنات المعطاة ليست بالعلاج الأساسي.

لكن هذه الإجراءات قد أعطت بعض الوقت للمشرع السعودي لأن يفكر بهدوء ويستعرض كل العوامل التي أدت وتؤدي إلى استمرار العجز القائم في الميزانية الحكومية سواء الخارجية منها أو المحلية. ونجحت إلى حد ما في تقليص هذا العجز في الميزانية للعام الحالي، والذي لم يكن كافيا لتحقيق ميزانية متوازنة في الفترة القصيرة إلى عام 2020.

لذا جاءت الميزانية الحالية أكثر جرأة وطموحا مستهدفة تحقيق التساوي بين الإيرادات والمصروفات (ميزانية متوازنة). فقد لاحظت الحكومة بأنه لا يمكن تحقيق هذا التوازن بصورة ارتجالية، بأن تخفض الإنفاق بشكل جذري مع تبني إجراءات زيادة العوائد وهو ما ظهرت عليه ميزانية العام الماضي 2016 والتي أدت إلى انخفاض كبير في معدلات نمو الاقتصاد السعودي، نتيجة لارتباط مختلف قطاعات الاقتصاد بالإنفاق الحكومي، وما ظهر للمواطن خطأ بأن تصحيح العجز إنما يأتي من جيبه وهو حتما ليس بالهدف المعلن وغير المعلن لرؤية المملكة في الفترة القادمة 2030، ولا يمكن أن يكون.

ولا ألوم حكومتنا على ما ظهر من أعباء الميزانية الماضية 2016 على بعض الفئات من المواطنين، فقد كانت على عجلة من أمرها لتلافي حدوث ما لا يحمد عقباه نتيجة التدهور الكبير الذي لحق بأسعار موردنا الرئيسي وهو النفط، الأمر الذي حدا بنا إلى البحث عن كل الوسائل التي تعظم إيرادات الدولة من جهة وكل ما يكبح إنفاقها من جهة أخرى.

وبالرغم من التحسن النسبي لأسعار النفط لتصل إلى حدود 55$ للبرميل، بعد إبرام اتفاق خفض الإنتاج فيما بين دول منظمة أوبك، وبينها وبين المنتجين من خارجها، إلا أن النتائج الحقيقية لهذا الاتفاق تبدأ مع بداية تطبيقه العام القادم 2017، ومدى الجدية في الالتزام من قبل الدول المنتجة الموقعة له. وحتى في ظل هذا الالتزام الكامل فإن الأسعار قد لا تتجاوز مستوى الـ60$ للبرميل. ولا يمكن الركون بعد الآن إلى سوق النفط الذي شهد في السنوات الأخيرة تقلبات سعرية تعكس بعض التغيرات الهيكلية التي لحقت بكل من العرض والطلب العالميين على النفط.

الميزانية الحالية للعام القادم عكست أمورا أساسية تتمثل في التالي:

1- أنه لا يمكن الاستمرار في خفض الإنفاق الحكومي لارتباط ذلك بأداء مختلف القطاعات، وأن قطاعات أساسية مثل التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية لابد من استمرار وزيادة الإنفاق عليها لتلبية الاحتياجات المتزايدة منها.

2- أنه في الوقت الذي تستمر فيه الحاجة إلى ترشيد الإعانات، فإن ذلك لا يتم فقط بخفضها تدريجيا وإنما البحث عن وسائل لتخفيف العبء عن الفئات منخفضة الدخل خاصة في ظل استمرار محاولات ايجاد منظومة متكاملة من النقل العام. ومن هنا تتبنى الميزانية زيادة أسعار الوقود والكهرباء والتي يسبقها إيداع مقدار العبء المالي للفئات التي تنخفض دخولها عن ستة آلاف واثني عشر ألف ريال، على أن ينتظم إيداع هذه المبالغ شهريا.

3- الانتظام في دفع مستحقات المقاولين المرتبطين بالحكومة، من أجل منع حالات الإفلاس لبعض هؤلاء من جهة، وتحريك الطلب الفعال وزيادة السيولة وإيجاد مشروعات جديدة تعمل على خلق الوظائف للسعوديين من جهة أخرى، والتأكيد على ضرورة تحقيق معدلات نمو اقتصادي لا يقل عن 3% سنويا في الفترة إلى 2020.

4- الاستمرار في برنامج «التوازن المالي» في الفترة القادمة، مع إنشاء هيئة مستقلة لإدارة الدين العام.

وختاما، فإن ميزانية العام القادم 2017 «غير»، توضح الجدية في التعامل مع الأزمة الاقتصادية الحالية آخذين في الاعتبار السيناريوهات المحتملة لأسعار النفط، وتهيئ مجتمعنا السعودي ليشارك في تحمل عبء المرحلة الحالية كل حسب ظروفه المادية والتي تتم مراعاتها.

• المستشار الاقتصادي والنفطيalsabbanms@usa.net