Breaking News

“الصبان” لـ”أرقام”: وكالة الطاقة الدولية هدفها تحييد “أوبك”.. والبيروقراطية أخرت استفادة السعودية من الطاقة الشمسية

مع تواصل رصد المتغيرات في سوق النفط التي شهدت ارتفاعا خلال الأسابيع القليلة الماضية بعد هبوطها الحاد الذي كبدها أكثر من 75% منذ منتصف عام 2014، أجرت “أرقام” حواراً مع المستشار الاقتصادي والنفطي الدولي د. محمد بن سالم سرور الصبان لتوضيح رؤيته فيما يتعلق ببعض المستجدات. ومن ذلك دور منظمة “أوبك” ومحاولات الغرب التأثير على قراراتها، وبيانات وكالة الطاقة الدولية التي تدافع عن حقوق كبار مستهلكي النفط في العالم، وكيفية تعظيم المملكة الاستفادة من كل “قطرة” بترول، بالإضافة إلى الحدث الأبرز الذي تنتظره الأسواق في السابع عشر من أبريل/نيسان، واجتماع منتجي “أوبك” وخارجها لدعم استقرار السوق والسيطرة على وفرة المعروض.
  * الكثير من المحللين يرهقون أنفسهم بمحاولة تحديد مستويات سعرية مستقبلية للنفط بعد هبوطه الأخير.. أليس الأولى النظر في استقرار سوقه أولا.. ما رأيكم؟
– هي ليست مسألة إرهاق لتحديد مستويات سعرية مستقبلية، ولكنها عمل أساسي لكل المحللين النفطيين، وتعتبر جزءاً أساسيا من عملهم، أما مسألة الانتظار إلى أن تحقق السوق استقرارها ومن ثم النظر إلى السيناريوهات المستقبلية، فهي لن تغير شيئا في التحليل. أما إن تقصد أن هنالك شكوكا حول استقرار الأسعار، وإمكانية عودة التراجع في أسعار النفط بعد ارتفاعها الأخير، فهي أيضا من الأمور التي تتنبأ بها مختلف السيناريوهات.
* وعلى ذكر أسعار النفط، هل هناك علاقة بين قرار السياسة النقدية من المركزي الأمريكي برفع الفائدة في ديسمبر الماضي بدعم ارتفاع الدولار ومن ثم تسارع هبوط النفط أوائل العام الحالي؟
– كلنا يعرف أن الدولار الأمريكي هو عملة التداول في سوق النفط العالمية، وبالتالي فالسعر الحقيقي للنفط يتأثر بتقلبات قيمة الدولار، لأنه لو ارتفع سعر صرف الدولار أمام اليورو على سبيل المثال، فإن مشتري النفط الأوروبي سيحتاج إلى حجم أكبر من عملة اليورو لشراء نفس الكمية من الدولارات ونفس الكمية من النفط نتيجة لهذا الارتفاع. أما العلاقة بين رفع سعر الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في ديسمبر الماضي فهي علاقة طردية، ناجمة عن الزيادة المتوقعة في الطلب على الدولار للاستفادة من ارتفاع سعر الفائدة. لكن هذا الارتفاع في قيمة الدولار في الفترة الماضية كان من ضمن العوامل التي زادت من الانخفاض في أسعار النفط وليس العامل الرئيس في هذا الانخفاض، إذ إن الفائض النفطي في الأسواق واحتمالات تزايده هو ما يضغط على الأسعار نحو الانخفاض.
  * بعد الارتفاع الأخير للأسعار، هل يمكن القول إن النفط تجاوز الأسوأ وأنه بلغ القاع؟ وهل تتوقع بلوغه مستويات سعرية أعلى وتعد مفاجأة هذا العام؟
– لقد تفاعلت الأسواق مؤخرا بالعديد من العوامل التي أثرت إيجابا في أسعار النفط ومنها احتمالات متزايدة بنجاح المنتجين بتجميد إنتاجهم كخطوة أولى يمكن أن يتبعها تخفيض جماعي للإنتاج إذا لزم الأمر، والتوقعات بانخفاض الإنتاج النفطي من خارج الأوبك، إضافة إلى الانقطاعات المؤقتة في إنتاج بعض دول الأوبك مثل العراق ونيجيريا، واحتمالات تحسن مستويات الطلب العالمي على النفط خلال العام الحالي. إلا أن الوضع القائم في الأسواق لا يزال كما هو، والفائض النفطي لا يزال أعلى من مليوني برميل يوميا، وبالتالي فإن التوقعات تبقى توقعات ما لم تُترجم على أرض الواقع بأرقام تعكس انحسار الفائض، وما لم يحدث ذلك وبقي الفائض في تزايد فلا يمكن أن نتوقع استمرار الأسعار عند مستوياتها الحالية فوق الأربعين دولارا، بل قد تزور قاعا جديدا وهو أمر غير مستبعد على الإطلاق خلال هذا العام. وهنالك “جعجعة ولم نر طحنا بعد”، أما الصور المتفائلة التي يتم تصويرها للدول المنتجة من ” انهيار” صناعة النفط الصخري، وتحسن كبير قادم في الطلب العالمي على النفط، وغير ذلك من التفاؤل غير المبرر علميا وواقعيا فإنه يزيد من وقع الصدمة على الكثيرين فيما لو تمت زيارة القاع السعري مرة أخرى.
* يتهم البعض ومنهم الوزير النعيمي مضاربات البورصات في نيويورك ولندن بالتأثير سلبا على حركة أسعاره؟
-المضاربات كانت ولا زالت تؤثر في أسعار النفط في الأمد القصير، ولا ننسى هدف المضاربين الأساسي وهو تحقيق الأرباح، وبالتالي هم يتتبعون الأحداث، ويصنعون الإشاعة، ويستثمرون في كل ما يمكنه في أسعار النفط صعودا أو هبوطا. ونظرا للتشعب الذي تعيشه أسواق النفط ووجود الأسواق الفورية والآجلة، فإن حجم صفقات النفط المتداول عالميا يزيد أكثر من ثلاثة أضعاف عن حجم الإنتاج العالمي اليومي منه. وتدخل التوقعات والشائعات في مختلف قرارات المضاربين إما بالبيع أو الشراء الآن أو البيع أو الشراء مستقبلا وفق مدة زمنية محددة، وعلى ضوء هذه المعاملات اليومية تتحدد الأسعار الفورية والمستقبلية للنفط. لذا فإن للمضاربة دورا كبيرا في التأثير على أسعار النفط، لكن تبقى أساسيات العرض والطلب هي المسيطر على اتجاه السوق مهما بالغ المضاربون في اتجاه الأسعار صعودا أو هبوطا.
* بحكم تمثيلكم المملكة في اجتماعات “أوبك” ورؤيتك “للمطبخ” من الداخل، هل هنالك بالفعل إملاءات غربية على بعض دولها؟ وكيف تفسر ذلك؟
– هنالك مبالغة بالنسبة لهذا الموضوع، وهي تنبع أساسا من اعتقاد الكثيرين  بـ” نظرية المؤامرة” والاستغراق فيها بشكل لا يترك حادثة أو تصرفا دوليا إلا ويرجعونه إلى المؤامرة، بل ويستكثرون على دولنا النامية اتخاذ أي تصرف سيادي مستقل. أنا هنا لا أنفي محاولات بعض الدول الغربية التدخل للتأثير على قرارات منظمة الأوبك، عن طريق تقديم بعض الآراء حول ما يتوقعونه من قرارات والقيام بزيارات لهذه الدول العضو أو تلك، أو إرسال مذكرات رسمية يفضلون فيها تبني بديل دون آخر. لكن في نهاية المطاف القرار النهائي في المنظمة يُتخذ بالإجماع، وبالتالي فلا مجال لفرض دولة رأي فرض عليها من هنا أو هنا ما لم يكن في صالح المنظمة ككل، وإلا سيرفض من قبل دولة واحدة على الأقل ولن يتم تمريره.
  * أليس من الأفضل لـ”أوبك” العمل على ضم كبار المنتجين من خارجها بدلا من إندونيسيا مثلا التي تستهلك أكثر مما تنتج؟ أم هناك نظرة “عنصرية” للمنظمة من قبل الغرب وأنها لن تحقق مصلحته؟
– العضوية في منظمة الأوبك مفتوحة لأية دولة للانضمام إليها وفق معايير أهمها أن هذه الدولة تقوم بتصدير النفط، إندونيسيا هي أصلا دولة عضو منذ زمن طويل وتركت المنظمة حينما أصبحت تستورد نفطا أكبر مما تصدره، وبتحسن أحوال إنتاجها، فقد تقدمت بطلب استعادة عضويتها وهو ما تمت الموافقة عليه من قبل جميع الدول الأعضاء. وقبل أن تتخذ أية دولة قرارا بطلب الموافقة على انضمامها إلى منظمة الأوبك، تحاول أن تقارن بين المزايا التي يمكن الحصول عليها من جراء عضويتها والتكاليف الناجمة عن ذلك، لذا كثير من الدول تعتقد أن بقاءها خارج المنظمة يمكنها من الاستفادة من قرارات المنظمة دون أية أعباء مترتبة عليها، ويطلق على هذه الدول لقب ” الراكب المجاني” “FREE RIDER”.
  * لماذا أٌهملت المكسيك كمنتج مؤثر من خارج “أوبك” ضمن التحرك الأخير لجميد الإنتاج وانصب التركيز على روسيا رغم وجود الاثنين مع النرويج في اتفاق عام 2001 الذي أفضي إلى خفض في الإنتاج لم تلتزم به روسيا أصلا؟
– لم يتم استثناء أية دولة منتجة وبالذات دولة كالمكسيك، ويعتمد حضورها على موافقة على تجميد انتاجها، لذا فان اجتماع السابع عشر من ابريل القادم في الدوحة سيشهد أعدادا مضاعفة من المنتجين أكبر بكثير من الأربعة الرئيسين الذين ابرموا الاتفاق الاولي وهم السعودية وروسيا وفنزويلا وقطر بصفتها ترأس الاجتماع الوزاري للمنظمة حاليا، ولننتظر لنرى من سيحضر الاجتماع، أما الدعوة فستوجه للجميع.
  * كما كان متوقعا، لا زالت إيران تراوغ بعدم الدخول في اتفاق تجميد الإنتاج على أمل الحصول على ميزة الاستثناء كما حصل عليها العراق بسبب الحرب فهل تنجح؟
– ليس من المعروف بعد الموقف النهائي لإيران من مسألة تجميد انتاجها. وهنالك لا زالت جهود تبذل من قبل روسيا وغيرها لإقناعها بضرورة الانضمام الى الاتفاق، خاصة وأن بعض المنتجين قد ربطوا مشاركتهم في اتفاق تجميد الإنتاج بانضمام جميع المنتجين اليه دون استثناءات. وعدم انضمام إيران للاتفاق سيؤدي حتما الى عدم جدواه، فالمشكلة التي يتعامل معها المنتجون هي كيفية تقليص الفائض النفطي الذي تعم به أسواق النفط، وإذا تم تجميد الإنتاج وترك إيران تزيد من انتاجها كما تشاء، فان هذه المشكلة تبقى دون حل. وعلى العموم، فان اجتماع 17 إبريل القادم سيعطي تفسيرا واضحا فيما لو كان هنالك استثناء لإيران ومبررات ذلك، وفي تصوري انه يمكن استثناء إيران من الاتفاق في حالة: 1- وضوح الصعوبات التي تعترضها في سبيل زيادة طاقتها الإنتاجية، بما في ذلك احجام المستثمرين الأجانب عن الاقدام الذي كان متوقعا. فهي الى الان لم تزد طاقتها الإنتاجية بعد رفع العقوبات عن 400 ألف برميل يوميا.   2- أن هنالك موافقة إيرانية تم الإيعاز بها الى روسيا الوسيط في هذا الموضوع بأنها ستنضم الى الاتفاق إذا وصل انتاجها الى 600-700 ألف برميل يوميا، وهو ما يمثل مستويات أقل بكثير مما كانت تهدف اليه إيران الوصول بطاقتها الإنتاجية (أكثر من مليون برميل يوميا).   البعض يحاول أن يبرر بانه لا بد من استثناء إيران من الاتفاق بحجة العقوبات الدولية التي حرمتها من انتاج مستوياتها الطبيعية في فترة ما قبل العقوبات، لكن إذا عرفنا أن هذه العقوبات قد نتجت عن تصرفاتها غير المقبولة تجاه المجتمع الدولي، وأن استمرار زيادة إنتاجها يلغي تأثير تجميد الإنتاج.
  * وكالة الطاقة الدولية التي تحمي مصالح كبار المستهلكين في الغرب البعض وحضرتك منهم يرى بياناتها “مسيّسة”؟  هل تفعل “أوبك” نفس الشيء بحكم أن الكل يبحث عن مصالحه؟
– وكالة الطاقة الدولية التي أنشئت في منتصف السبعينيات، وتمثل جبهة مستهلكي النفط، هدفها كان ولا يزال العمل على تحييد تأثير منظمة الأوبك في الأسواق، لذا فالمستغرب أن كثيرا منا يعامل الوكالة وارقامها وكأنها المرجع الوحيد لمعلومات سوق النفط، وهي تستغل ذلك بشكل أو بآخر. أما منظمة الأوبك، فهي للأسف لا تقوم بذلك وتختلط عليها الأمور أحيانا، وليست مصدر ثقة لدى العامة ليس بسبب تسييسها، بل للتشويش الذي يكتنفها واستمرار اعتمادها على موظفين غربيين من خارج الدول المنتجة لإدارة مطبخها الرئيسي.
  * هل ترى أن المملكة تأخرت في الاستفادة من الطاقة الشمسية؟ حيث كان من الممكن أن تقلص الاعتماد على النفط محليا في توليد الكهربائية.
– لقد تأخرت المملكة كثيرا في البدء بمشروعات الطاقة الشمسية لأسباب بيروقراطية بحتة، ونرى أن هنالك جدية كبرى للبدء في ذلك ضمن برنامج التحول الوطني. وأنا متفائل بالمرحلة القادمة ليس فقط بالنسبة للطاقة الشمسية بل لجميع مصادر الطاقة المتجددة، وكما يذكر المسؤولون السعوديون، فإن المملكة تخطط لتصبح مصدرا للطاقة الشمسية بحلول عام 2030 كهدف أساسي نحو تنويع مصادر الدخل.
  * كخبير في اقتصاديات النفط.. كيف يتم “تعظيم” الاستفادة من كل قطرة نفط ظلت في باطن الأرض أو أصبحت فوق ظهرها؟
– أستطيع أن أقول إننا نستفيد من كل قطرة نفط الاستفادة المثلى حينما نستطيع تعظيم القيمة المضافة من هذه القطرة أو تلك، وطالما لا زلنا نصدر معظم نفطنا على هيئة خام فإننا لا نحقق ذلك، وعلينا مراجعة هذه الأمور والتركيز في المرحلة القادمة على الدخول في مزيد من الصناعات اللاحقة والتحويلية لتحقيق الاستفادة المثلى من كل قطرة نفط بزيادة القيم المضافة.
  * هل تتوقع بدء مشروعات للنفط الصخري قريبا في المملكة؟
– في الواقع المملكة بدأت في استكشاف وإنتاج الغاز الصخري في الشمال بالقرب من مدينة “وعد الشمال” الصناعية، والحاجة الآن ماسة لاستكشاف واستغلال مزيد من الغاز، سواء التقليدي أو الصخري. أما النفط الصخري فلا حاجة لنا له في الوقت الحاضر، ويمكننا الاستمرار في إنتاج نفطنا التقليدي ذي التكلفة المنخفضة والذي نمتلك منه احتياطيات كبيرة تقدر بحوالي 21% من الاحتياطيات العالمية.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله