@sabbanms

بدأت فكرة الحكومة العالمية «WORLD GOVERNMENT» تُطِلُّ على العالم بوجه بريء ومظهر جميل يطمح إلى إيهام الدول بوجود حاجة إلى أنْ تكون هنالك أداة تَحْكُمُ العالم، خاصة في ظل استكمال وضع القوانين الدولية اللازمة القطاعات المختلفة. وبالتالي فإنَّ وجود هذه الحكومة إنَّما هو للإشراف على التطبيق السليم لهذه القوانين، والعمل على دعم الحرية الاقتصادية للنشاط الإنساني دوليًّا.

وبانتخاب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، ظهر أنَّه سيقوم بتغيير المفاهيم الدولية، والابتعاد تدريجيا عن الاندماج في البوتقة العالمية من منظور «أمريكا أولًا»، وهو الأمر الذي أزعج بقية الدول الغربية والأوروبية منها على وجه الخصوص؛ كونه سيفسد اندماج العالم تحت الحكومة العالمية، وظهور الاستعمار بمظهره الحديث. ولْيسمحْ لي خبراء السياسة أنْ أسمِّيَه «الاستعمار عن بعد»؛ إذ لا حاجة لإرسال قوات والدخول في حروب من أجل استغلال ثروات العالم النامي كما كان الأمر في الماضي.

إذْ تكفي سيطرته (أعني الغرب) على مفاصل الحكومة العالمية المقترحة لِيَتمَّ حصوله على تلك الثروات دون عناء.

وقد اعتقد الكثيرون أنَّ تراجع الرئيس ترمب أخيرًا عن بعض وعوده الانتخابية سيُعيده إلى الحظيرة الدولية، وكأنَّ شيئا لم يكن. لكن مَنْ يتمعَّن في بعض هذه التغييرات عما وعدَ به يجد أنَّها لم تتغير من حيث المبدأ. فالتهاون مع الصين التي اتهمها في الفترة الانتخابية بانتهاج كلِّ أساليب الخداع التجاري والنقدي، كان سببه دورها الوسيط في تهدئة كوريا الشمالية لِعدم جرِّ العالم إلى حرب نووية، وذلك لا يعني قبوله بعض التصرفات التجارية للصين، خاصة في ظل ميل كفة الميزان التجاري بين الدولتين لصالح الصين. والمتوقع أنْ تشهد علاقتهما الاقتصادية مزيدًا من التعقيدات الفترة القادمة. كما أنه في طريقه إلى إعادة التفاوض على اتفاقيات تجارية دولية مثل «نافتا» وغيرها والتي قد تطول لسنوات طويلة.

كما ينتظر العالم الغربي على أَحَرَّ من الجمر الموقف النهائي للرئيس ترمب من اتفاق باريس للمناخ؛ فهذا الاتفاق ظاهره بيئي، وباطنه محور وأساس عمل الحكومة العالمية؛ كونه يشمل كافة القطاعات الاقتصادية، وعلى رأسها قطاع الطاقة العالمية، وهو اتفاق متحيِّز -بكل ما تعنيه الكلمة-، حيث بدأت العديد من التوقعات تشير إلى أنَّنا سنصل بأسرع ممَّا نتوقع إلى ما يُعرف بـ«ذروة الطلب على النفط» بسبب إجراءات الحد من انبعاثات الكربون وسيحدث ذلك -بحَسَب التقديرات- بين الأعوام (2025-2030)، وهي فترة قريبة جدا.

أما إذا انسحب الرئيس ترمب من اتفاق باريس للمناخ -كما وعد-، فسيكتب النهاية الحقيقية لمؤامرة المناخ الدولية؛ فمناخ العالم يتغير منذ ملايين السنين بين عصور جليدية وحرارية ولم يكن وقتها النفط أو الوقود الأُحفوريُّ عمومًا مصدرًا للطاقة. وبالطبع، هنالك ضغوط غربية بصور مختلفة لِثَنْي الرئيس ترمب عن الانسحاب. وقد دفعهم الشعور بالإحباط إلى أنْ يستخدموا ورقة ابنة ترمب الكبرى «إيفانكا»، لإقناع والدها بعدم الانسحاب.

إن المتتبع للمفاوضات الدولية تحت مظلة الأمم المتحدة يجد أن الغرب قد اتبع فيها أساليب عديدة لترجيح الكفة لصالحه. وأوضح صراحة أكثر من مرة أنَّ الهدف الرئيسي من اتفاق باريس للمناخ هو تحقيق الاستغناء التدريجي عن النفط بحجة حماية المناخ.

وفي سبيل تطوير مختلف القوانين الدولية تمهيدًا لقيام الحكومة العالمية، وجدنا أنَّ الدول النامية في معظمها هي الطرف الأضعف، والمتنازل دائمًا، أوْ لِنَقُل: الطرف الذي يُجبر على التنازل بمختلف الأساليب والحيل ومنها لَيُّ الذراع. ويرجع الضعف العام لموقف الدول النامية التفاوضي إلى طبيعة هذه الدول وضعف إمكانياتها وقدراتها، وهي ثلاث فئات:

الفئة الأولى: دول غير محيطة بموضوعات التفاوض الذي قَدِمَتْ من أجله، بل تَعُدُّ الأمر مهمة رسمية تجمع من خلالها مختلف الوثائق وتعود غير منضبطة وغير مستمرة في حضور كل الاجتماعات. وهذه الدول تقبل كل ما يعرض عليها حتى المتعارض مع مصالحها؛ فهي أصلًا لا تعرف تلك المصالح. بل والأَمَرُّ والأدهى أنَّ بعض مفاوضيها لا يحضرون سوى بداية المفاوضات وآخر يوم فيها.

الفئة الثانية: دول مجتهدة تحاول مرة بعد أخرى حماية مصالحها، لكنَّ مفاوضيها ليست لديهم المهارات الكافية، فيسقطون تِباعًا في فخِّ الصيغ التوفيقية التي تعرض عليهم، ويُـوحون لرؤسائهم حين عودتهم إلى بلدانهم أنّهم «قد جاؤوا برأس كُليب».

الفئة الثالثة: هي الدول التي تعرف مصالحها تمامًا، ولديها مفاوضون بارعون، لكن يتمُّ التخلص تدريجيًّا منهم بسبب الضغوط الممارسة، وكم فقدنا من مفاوضين رفيعي المستوى بسبب أنَّ حكوماتهم تلقَّتْ طلبًا من إحدى الحكومات الغربية بإزاحة هذا المفاوض أو ذاك.

وهذا الوضع الهزيل لمعظم مفاوضي الدول النامية يميل بكفة كلِّ اتفاق نهائي لصياغة القوانين العالمية لصالح دول الغرب. وبالتالي فالاتفاق تلو الآخر يمثل عبئًا قانونيًّا على الدول النامية، وهي التي سيتم تطبيقها في ظل الحكومة العالمية لو كتب لها الظهور إلى العلن.

وختامًا، فلو استمر الرئيس ترمب في مواقفه المعلنة في فترة الانتخابات تجاه الاتفاقيات التجارية الدولية وغيرها من الاتفاقيات، وتوجهه إلى العزلة الدولية، فإن أمل تطبيق مشروع الحكومة العالمية سيضمحل تدريجيًّا، وستضيع على الغرب فرصة ذهبية للتحكم في مقدرات ومصادر العالم النامي والسيطرة عليه