Breaking News

محمد سالم سرور الصبان المستشار الاقتصادي والنفطي لعكاظ : وضعنا الاقتصادي لا يدعو إلى القلق

أكد الدكتور محمد سالم الصبان الخبير الاقتصادي والبترولي أن الوضع المالي للمملكة لا يدعو إلى القلق في ظل الاحتياطات المالية الضخمة ونسبة الدين المتدنية.

وعزا تراجع أسعار البترول الحالية إلى عوامل اقتصادية، بعيدا عن المؤشرات السياسية، مشددا على أن الاعتماد على الأوبك في ضبط الأسعار وتخفيض الإنتاج لم يعد حلا عمليا، في ظل الارتفاع الكبير في إنتاج روسيا وغيرها منالمنتجين.

وقال في حديث خاص لـ «عكاظ»: إن هناك بدائل عديدة للتعامل مع العجز المتوقع في الميزانية منها: ترشيد الإنفاق، والسحب من الاحتياط أو الإقراض -السوق المحلية.

* تتقلب أسعار النفط حاليا في حدود الـ 40 إلى 45 دولارا للبرميل، بعد أن كانت فوق الـ100 دولار للبرميل، هل من عوامل سياسية خلف الهبوط، ولماذا تقف الدول المنتجة موقف المتفرج إزاء ما يحدث؟

– ليست هنالك من عوامل سياسية أثرت في قرارات الأوبك الأخيرة التي أبقت من خلالها على سقف إنتاجها دون تغيير، والدليل أن قرارات الأوبك في هذا الصدد قد اتخذت بالإجماع، وإن بحثنا عن السبب الجوهري في وقوف الأوبك موقف المتفرج حاليا نجد أن بقية أعضاء منظمة الأوبك وكبار منتجي النفط من خارجها لم يقبلوا التعاون مع المنظمة في خفض إنتاج النفط، ويهدفون من ذلك تحميل المملكة عبء تخفيض الإنتاج، دون تقاسم لهذا العبء.. هذه المعادلة التي كانت تسري في الماضي وتتحملها المملكة على مضض لم تعد قابلة للتطبيق لسببين أساسيين:

1 – إن إجمالي حصة أوبك من إنتاج النفط العالمي لا تتجاوز نسبة 32 %، وبالتالي فلا الأوبك وحدها ولا المملكة بوجه خاص، يمكنها إجراء التخفيض المناسب لرفع الأسعار عند مستويات مقبولة للجميع (في حدود الـ60 دولارا للبرميل)، وبالتالي تعود المنتجون من خارج الأوبك في الماضي الاعتماد على أوبك في ضبط الأسعار وتخفيض الإنتاج وما عليهم إلا الاستفادة من ذلك، وكأنهم «راكب مجاني» لم يعد حلا عمليا الآن، وفي ظل الارتفاع الكبير في إنتاج روسيا والعديد من منتجي النفط من خارج المنظمة، لم يعد بإمكان منظمة الأوبك القيام بدورها المعتاد.

فتخفيض أوبك لإنتاجها يعني توسع الآخرين في إنتاجهم ونعود تدريجيا إلى نقطة البداية، كما أن هنالك العديد من دول الأوبك التي لن تشارك في أي تخفيض تُجريه المنظمة مثل العراق التي يتزايد إنتاجها بشكل كبير، إذ تجاوز 4 ملايين برميل يوميا، وهو آخذ في التزايد تدريجيا، كما تخطط له الحكومة العراقية والشركات التي تهافتت على أخذ نصيب لها من كعكة العراق النفطية، كما أن دولا مثل ليبيا ونيجيريا وفنزويلا وغيرها لن تقبل بالمشاركة في أي تخفيض قادم.

وبالتالي فنحن أمام معضلة لا يمكن حلها من طرف واحد، وإلى الآن لم يبد كبار المنتجين تحمسهم للتعاون مع أوبك في تحقيق الاستقرار المنشود لأسواق النفط العالمية.

وبالتالي فالإحساس بخطورة احتمال استمرار تدهور أسعار النفط في القادم من الأيام، في ظل فائض نفطي يعوم في الأسواق يزيد عن ثلاثة ملايين برميل يوميا، سيدفع الكل إلى البحث في كيفية التعاون مع الأوبك، وألا تحمل نتائج ذلك.

2 – إن قدوم إيران إلى سوق النفط، بعد رفع العقوبات عنها، في ظل الاتفاق النووي سيعقد من مسألة التعاون لخفض الإنتاج، إذ لا يمكن قبول ما تروج له إيران بأن على المنتجين الآخرين التخفيض وإعفائها من القيام بذلك لتضخ كما تشاء من النفط، لغياب بعض إنتاجها عن الأسواق بفعل العقوبات الاقتصادية الدولية، وبالتالي فإن المسألة ليست وقوف الأوبك موقف المتفرج، ولكن كيفية تفهم جميع كبار المنتجين خطورة الوضع الحالي، والتفاهم حول الطريقة المثلى في التعامل معه، وهذا هو مربط الفرس.

مستقبل النفط

* كيف تقرأ مستقبل النفط في ظل الأحداث الحالية في الأسواق، والانهيار الكبير في الأسعار، وهل تعتقد أن العودة لسقف ١٠٠ دولار بات ضربا من الخيال؟

– لقد تغيرت سوق النفط العالمية بصورة هيكلية لم تشهدها في الماضي، وأقبلت على دورة اقتصادية جديدة تتسم بفائض في المعروض النفطي العالمي، نتيجة لاستمرار زيادة العرض العالمي من النفط ودخول منتجين لم يحلموا يوما أن يدخلوا هذه السوق، نظرا لارتفاع تكاليف إنتاجهم عن أسعار النفط السائدة، إلى أن طلت علينا سنوات 2011-2014م، والتي اتسمت بأسعار نفط مرتفعة ومستمرة فاقت الـ100 دولار للبرميل.

فبدأ يتزايد إنتاج النفط الصخري وبدأ في اقتحام الأسواق الأمريكية ليحل محل واردات نفطية، وأسرعت الإدارة الأمريكية في الإعلان بقدوم سنوات استقلالها في الطاقة، واستغنائها عن النفط المستورد.

كما زادت استثمارات النفط التقليدي من أماكن وعرة ومن أعماق البحار والمحيطات. بدخول هذا الإنتاج مرتفع التكاليف إلى الأسواق وصموده أمام تيار انخفاض أسعار النفط بشكل استغربه الكثيرون.

وتوالت سلسلة من التطورات التقنية وزيادة كفاءة إنتاجه لتضييق فجوة التكاليف بين النفط التقليدي والصخري، الأمر الذي حتم بقاء معظم النفط مرتفع التكاليف إلى الآن، وأصبح جزءا لا يتجزأ من العرض العالمي من النفط وسيبقى معظمه في الفترة المقبلة.

في الوقت نفسه، أدت أسعار النفط التي فاقت في السنوات الماضية الـ100 دولار للبرميل إلى ما يعرف بـ «هدم الطلب العالمي على النفط»، حيث إن العالم أصبح يطلب كميات أقل فأقل من النفط عند كل مستوى من مستويات الأسعار، وأصبحت المرونة السعرية للطلب العالمي قريبة من مستويات عديمة المرونة وبالذات في الأمد القصير والمتوسط.. وأصبح الأمل المعلق على زيادة كبيرة في الطلب العالمي على النفط لتصحيح الوضع هو مستحيل.

وعلينا كدولة منتجة للنفط وتعتمد عليه بشكل كبير في توفير إيراداتها اللازمة لتحقيق النمو الاقتصادي، أن نعرف حقيقة كنت قد نبهت إليها منذ سنوات بأن العصر الذهبي للنفط أوشك على الرحيل، وعلينا ربط الأحزمة والاستعداد لمرحلة «الهبوط الآمن».

وسيقوم منتجو النفط مرتفع التكاليف من خارج الأوبك، بدور المنظمة في الفترة المقبلة (SWING PRODUCERS)، إذ يخرج بعضهم من الإنتاج عند انخفاض أسعار النفط عن سعر معين، ويقومون بزيادة إنتاجهم إذا تجاوزت الأسعار مستويات معينة.

وأتصور أن هذا المدى السعري قد يكون في حدود (40 إلى 60 دولارا للبرميل)، مع الأخذ في الاعتبار العامل الزمني اللازم لتخفيض أو زيادة الإنتاج، وحتى هذه المعادلة قد لا تصمد طويلا إذا استطاع المنتجون (مرتفعو التكاليف) تضييق الفجوة بينهم وبين المنتجين التقليديين.

الأسعار وتراجع الإيرادات

* أثر الانخفاض الكبير لأسعار النفط في حجم إيراداتنا النفطية السنوية، وأصبح الحديث حاليا عن عجز متزايد في ميزانية المملكة يقدره البعض في حدود 480 مليار ريال.. كيف ستتصرف الحكومة لسد هذا العجز، وهل يكفي إلغاء المشاريع غير المهمة، أم أن هنالك خطوات أخرى قد تتبعها؟ وهل صحيح أن المملكة بنت ميزانيتها الحالية على سعر 60 دولارا للبرميل كما يقول البعض؟
للإجابة على هذا السؤال دعني أبدأ بشقه الأخير:
1 – رسميا لم تعلن حكومة المملكة السعر الذي بنت عليه موازنتها المالية للعام الحالي، لكن أعتقد أنه في هذه الحدود التي ذكرتها.

والموازنة العامة للدولة كانت قد توقعت عجزا في حدود 154 مليار ريال، وتضخم نتيجة لانخفاض أسعار النفط عن المستوى التقديري له في الموازنة، وثانيا محافظة المملكة لحجم إنفاقها دون تخفيض جوهري.

2 – أما كيفية تعامل الحكومة لسد العجز المتوقع، فهنالك عدة أوجه للقيام بذلك في ظل البدائل المتاحة للحكومة للقيام بذلك.

ومنها: ترشيد الإنفاق، السحب من الاحتياطي المالي الضخم الذي تمتلكه المملكة الذي يربو على 670 مليار دولار، والاقتراض من السوق المحلية، خاصة في ظل المستوى المتدني جدا للدين العام الذي لا يزيد على 1.4 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي.

3 – الوضع المالي للمملكة لا يدعو للقلق في ظل الاحتياطات المالية الضخمة ونسبة الدين العام المتدنية، إلا أن هذا لا يعني الركون إليهما وإبقاء الإنفاق الحكومي كما هو دون إيقاف للهدر الكبير والترهل الذي أصبح عليه اقتصادنا المحلي إبان العصر الذهبي للنفط، بل لابد من إعطاء أمر ترشيد الإنفاق الأولوية المطلقة في كل محاولاتنا للقضاء على عجز الميزانية.

وأنا هنا لا أتحدث فقط عن العام المالي الحالي بل الأعوام المقبلة أيضا.

وهذا لا يتم إلا في ظل ترتيب دقيق للأولويات التنموية، من مشاريع التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية والبنية الأساسية بما فيها شبكة النقل العام، والقضاء على تعثر مئات المشاريع القائمة ووضع أهداف رقمية وزمنية دقيقة للانتهاء منها، حتى نكيف ميزانيتنا مع إيراداتنا المنخفضة، مع عدم المساس بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية.

4 – محاولة زيادة إيرادات الحكومة من غير النفط، بما في ذلك التسريع في برنامج التخصيص لمرافق حكومية عديدة، كان أن توقف تخصيصها سابقا، وما زالت تتمتع بانخفاض كفاءة أدائها، وهنالك قائمة سبق أن ناقشناها في المجلس الاقتصادي الأعلى إبان تشرفي بعضويته، تضم المرافق المؤهلة للتخصيص، وهنالك أيضا إجراءات إضافية يمكن للمملكة تبنيها لزيادة كفاءة الاقتصاد من جهة وزيادة الإيرادات الحكومية من جهة أخرى، مثل تمرير ضريبة المبيعات وترشيد الإعانات الحكومية وعلى رأسها إعانات الوقود بما لا يضر بالمواطن غير القادر.

وضعنا المالي مريح

* هل صحيح أن تدهور سعر النفط إلى مستويات 30 دولارا للبرميل يؤدي إلى إفلاس المملكة، كما يروج البعض دون تعليل موضوعي؟
– هذا للأسف ما تروج له الصحافة الغربية من منطلق صلابة موقف المملكة من مسألة عدم تخفيضها لإنتاج النفط وحدها، وهو ما وضحناه سابقا.

وللأسف فإن بعض وسائل التواصل الاجتماعي لدينا تروج دون إلمام بالحقائق لهذه المقولة، فإذا كانت المملكة بوضعها المالي المريح ودينها العام المتدني توشك على الإفلاس فمعنى ذلك أن العشرات من الدول ستفلس أيضا، وهو غير صحيح.. الوضع لا يدعو إلى القلق ويجب أن نحارب مثل هذه الشائعات أيا كان مصدرها، وتفويت الفرصة على من يحقد على وطننا الغالي.

وهذا لا يعني أن نعود إلى التراخي الذي كنا عليه في السابق، ولا يجب على الحكومة أن تلتفت إلى بعض كتابنا في الصحافة المحلية، الذين يُطنطنون بأن أسعار النفط ستعود إلى مستويات الـ100 دولار للبرميل في العام المقبل.

وأحب أن أذكر هنا أن مستويات الـ100 دولار لن تعود إلى أسواق النفط في المدى المنظور، وعلينا التوقع بأن الأسعار ستكون في حدود 60 دولارا للبرميل في الأعوام القليلة المقبلة والتأقلم مع هذه المستويات.

ودعني أقول إننا في الوقت الذي نقف ونتضامن مع القيادة لمواجهة هذه التحديات، فإن الكرة الآن في ملعب مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية، الذي نعقد عليه آمالا كبيرة بعد الله في اتخاذ الخطوات اللازمة لجعل اقتصادنا أكثر مناعة وتحملا لأي هزات قد تطرأ عليه، نتيجة انخفاض إيراداته النفطية، ويطبق مبدأ المحاسبة والمساءلة لأي قصور إداري أو مالي في الأداء.

وأنا متفائل مثل غيري بأننا سنشهد تحولا جذريا في أدائنا الاقتصادي مستفيدا من العديد من التجارب الدولية الناجحة.

* أعلنت وزارة المالية أنها سحبت مبالغ من الاحتياطي المالي للمملكة، هل تعتقد بأن هذا التصرف كان صحيحا، وما هو المفترض القيام به لضمان اتخاذ إجراء صحيح؟
– تحاول وزارة المالية أن تغطي العجز القائم في الميزانية بإجراء توازن دقيق بين السحب من الاحتياطي المالي والاقتراض من السوق المحلية التي تتمتع بفائض كبير من السيولة، ويجب ألا نعتقد أن الاقتراض كان الملجأ الأخير للحكومة بعد نفاد الاحتياطيات المالية، بل إن التنويع في سد عجز الميزانية، بما في ذلك الاقتراض محليا، يزيد من كفاءة اقتصادنا ويفعل بشكل أفضل نظامنا المالي.

وأختم بالقول: إن كل التخوفات التي ينطلق بعضها من الحرص على سلامة اقتصادنا، والآخر بهدف التشويش، «لا مكان لها من الإعراب».. صحيح أن التحديات كبيرة وعديدة، لكن أيضا فإن مسؤولينا وكفاءاتنا العديدة والماهرة قادرة بإذن الله على إيجاد البدائل السليمة والإبحار بسفينتنا إلى بر الأمان بإذن الله.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

%d مدونون معجبون بهذه: