Breaking News

قمة مجلس التعاون الخليجي .. هل من رسائل اقتصادية منتظرة؟

دأت الدول الخليجية تدرك حقيقة التحديات الصعبة التي تواجهها حاليا وفي المرحلة المقبلة نتيجة الأزمة الاقتصادية التي أصابت العالم ولم تترك دولة ولا قارة إلا وأثرت فيها سلبا. ولم يكن ذلك مستبعدا ولا مستغربا, فالعالم أصبح نسيجا واحدا في إطار ما يسمى العولمة الاقتصادية, التي أدت إلى انفتاح الأسواق على بعضها وسهلت بالتالي انتقال السلع والخدمات والرساميل بين الدول.

ويعقد قادة دول مجلس التعاون قمتهم السنوية في ظل هذه الظروف غير العادية, في وقت لم يستوعب العالم بعد ـ ناهيك عن دول المجلس ـ الصدمة الاقتصادية وأبعادها وما إذا كانت قد وصلت الأزمة إلى الحدود الدنيا أم أن هناك مفاجآت تحملها السنة المقبلة والتي تليها. وبالتالي فالتحرك الجماعي المتوقع لدول المجلس تجاه هذه الأزمة ومحاولة الاستفادة من تجارب بعضها بعضا وتجارب الدول والاتحادات الدولية الأخرى يمثل ضرورة حتمية تنقل القمة إلى كونها قمة مواجهة التحديات.

في الوقت الذي لا نتوقع فيه خروج القمة بكثير من الحلول تجاه الأزمة الحالية, إلا أن هناك بعض النقاط التي يمكن أن تبعث برسائل اطمئنان ليس فقط للمواطن الخليجي بل للعالم أسره, الذي ينتظر تكاتف الجهود الدولية وإن كانت مجزأة للخروج من عنق الأزمة الاقتصادية العالمية. ويمكن تلخيص هذه الرسائل المحتمل أن تبعثها القمة للعالم من خلال النقاط التالية:

أولا: لا بد للقمة أن تؤكد استمرار التوسع في الإنفاق الحكومي لتحريك الطلب الخليجي على السلع والخدمات, وهو جزء أساسي من منظومة الطلب العالمي التي تحاول الدول الرئيسة تفعيله للخروج من نفق الركود العالمي.

وتعهدت السعودية في قمة مجموعة العشرين بإنفاق ما لا يقل عن 400 مليار دولار خلال السنوات الخمس المقبلة كمساهمة منها في حل الأزمة الاقتصادية المالية, وجاءت الميزانية السعودية المعلن عنها أخيرا لتؤكد هذا التعهد على الأقل بالنسبة للعام المقبل. وبالتالي فتأكيد القمة على حجم الإجمالي المتوقع للإنفاق والمعروف بحزمة الحوافز الاقتصادية ECONOMIC STIMULUS PACKAGE لجميع دول المجلس يعكس إصرار المجلس على المساهمة في مواجهة الأزمة من جهة وإعطاء نوع من الثقة بالاقتصاد الخليجي من جهة أخرى.

ثانيا: لا بد للقمة من التأكيد على أن ضرورة ترتيب أولويات الإنفاق والعمل على ترشيده سواء على المستوى الحكومي أو على مستوى الأفراد أمر ضروري ومهم للمرحلة المقبلة, فالإنفاق الحكومي في الفترة المقبلة على سبيل المثال لا بد أن يركز على المشاريع ذات الأولوية في استكمال بناء التجهيزات الأساسية وتحفيز توجيه الاقتصاد الخليجي نحو الاقتصاد المعرفي الذي يسهم في تسريع الاقتصاد وتنويعه.

فلا يجب الركون إلى امتلاك دول مجلس التعاون احتياطيات نقدية ضخمة, التي فقدت ما لا يقل عن 30 في المائة من قيمتها خلال الأشهر القليلة الماضية. فهذه الاحتياطيات وهذا الفائض سيكون مصيره التدهور السريع إذا لم تحسن دول المجلس استغلاله ولم تنفقه على القطاعات الإنتاجية الأساسية.

ثالثا: من الضروري أن تؤكد القمة على أن إيجاد فرص عمل للمواطنين فيها تمثل قمة أولوياتها, وبالتالي فإن محور الإنفاق الحكومي الخليجي هو على المشاريع والبرامج التي توجد فرصا وظيفية متزايدة لتقلل من احتمالات اتساع معدلات البطالة بين الخليجيين في الفترة المقبلة. يجب على سبيل المثال التوسع في برامج التعليم والتدريب النوعي والمشاريع ذات الكثافة العمالية ضمن منظومة المشاريع العملاقة التي تنفذها دول المجلس.

رابعا: إعلان القمة عن الخطوات المتبعة لتسريع التطبيق الفعلي للسوق الخليجية المشتركة بعد الموافقة عليها العام الماضي في قمة الدوحة (ديسمبر 2007).

والفترة الحالية تفرض ليس فقط المضي بهذه السوق المشتركة نحو التحقيق, بل تجاوزها لتأسيس ما يعرف بالوحدة الاقتصادية بين دول المجلس وما يتبعه من الوحدة النقدية التي يكثر الحديث حولها في إطار دول المجلس وما يحيطها من عقبات في التنفيذ.

خامسا: إن الرسالة الأساسية والمهمة التي يمكن لقمة مجلس التعاون إصدارها هي التأكيد بصورة جماعية على ما أعلنته دولها الأعضاء منفردة من ضمانها أمن وسلامة جهازها المالي والتدخل الحكومي إن استدعى الأمر لتوفير ذلك, ومنع حدوث أزمات أو انهيارات لفئات أو مؤسسات مالية أو اقتصادية في الفترة المقبلة.

سادسا: من الضروري أن تؤكد القمة رغبتها في إنشاء تحالفات اقتصادية مع مختلف الدول أو الكيانات التكاملية الاقتصادية الأخرى, وتسريع القيام بذلك لتحقيق الاستفادة المتوقعة من قيام مناطق تجارة حرة مع مختلف هذه الكيانات والتأكيد على ضرورة أن يتم ذلك بصورة جماعية لتحسين القدرة التفاوضية للحصول على أفضل الاتفاقيات.

كما أن تجديد القمة رغبتها في التوقيع على اتفاقية التجارة الحرة مع الاتحاد الأوروبي بعد إسقاط المطالب الأوروبية التي أضافتها أخيرا يرمي بالكرة في الملعب الأوروبي, ويعطيها الفرصة للتقييم الجدي للمصلحة المترتبة على إنشاء منظمة التجارة الحرة مع دول المجلس. ويمثل القرار الخليجي الصارم بتعليق المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي رسالة واضحة بعدم الرغبة في التفاوض من أجل التفاوض وأنه قد حان وقت اتخاذ القرار الحاسم ولم يغلق الباب أمام إبرام الاتفاق.

سادسا: تمثل القمة الخليجية فرصة أمام القادة لتبيان ما ترغب في الحصول عليه من قمة مجموعة دول العشرين التي تعتبر السعودية الممثل الخليجي بل العربي الوحيد في هذه المجموعة. هناك عديد من الموضوعات التي ستطرح في اجتماع نيسان (أبريل 2009) المقبل لقمة العشرين التي ستعقد في لندن أو في الاجتماعات التي تليها والتي لن تقتصر على الأزمة الاقتصادية العالمية بل تتجاوزها لتشمل موضوعات الطاقة والتغير المناخي والمساعدات للدول النامية والأمن الغذائي وغيرها, وبالتالي فإن السعودية ستكون أكثر جاهزية في هذه القمم تجاه حماية المصالح الخليجية والعربية المشتركة.

وختاما, فإن الظروف الاستثنائية للقمة الخليجية تفرض عليها اتخاذ قرارات استثنائية تعكس إدراك الدول الأعضاء بالتحديات التي تمر بها, وقدرتها على التفاعل معها ما يجنبها عديدا من الآثار السلبية المحتملة ويبحر بها بأقل قدر من الاضطرابات في خضم الأمواج الهائجة والمتلاطمة على الساحة الدولية.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

%d مدونون معجبون بهذه: