تلقيت دعوة لحضور احتفال الغرفة التجارية الصناعية بجدة بمرور خمسة وسبعين عامًا على إنشائها، ومرَّ بذهني الكثير من الأسئلة، وأنا أستعرض بطاقة الدعوة، حول طبيعة نشاط الغرفة وغيرها من الغرف السعودية وما إذا كانت تمثل الداعم الرئيس لرؤية (2030)؛ بإمدادها القائمين على تطبيق الرؤية بمختلف الآراء والملاحظات والتعديلات التي تناقشها وتمحصها. وذلك أنَّ الغرف التجارية تملك قنوات اتصالات كثيرة مع مختلف شرائح المجتمع، وتمتلك مباني فاخرة وقاعات اجتماعات ومراكز مؤتمرات وغيرها من الإمكانات، الأمر الذي يؤهلها لتكون مركزًا مُهمًّا، وداعمًا أساسيا لرؤية (2030).

وأذهب إلى أنَّ أول من يسعده تلقي مختلف الأفكار هو أمير الرؤية محمد بن سلمان، فهو قد أكد لجميع من التقى بهم انفتاحه على مختلف الآراء والأفكار التي تساهم في إزاحة كل ما يعترض طريق تطبيقها، وتعديلِ مسارِها؛ فهي رؤية للوطن وللاقتصاد تعمل على وضعه على مساره الصحيح، بعد عقود من اعتماد الدخل الوطني شبه المطلق على تصدير النفط الخام.

وكلنا يذكر ورشة العمل التي أقامها زميلنا المميز د. ماجد القصبي وزير التجارة والاستثمار في نهاية (2016) – بعد انطلاق الرؤية بأكثر من عام -، وهي الورشة التي كانت بعنوان «دور الغرف السعودية في دعم تحقيق أهداف رؤية 2030». وشارك فيها العديد من الجهات المعنية من الغرف التجارية ومجالسها، والهيئة العامة للاستثمار والهيئة العامة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة، إضافة إلى شريحة كبيرة من رجال الأعمال.

ما تم التأكيد عليه في تلك الورشة هو أهمية الغرف التجارية والصناعية في تعزيز الشراكة بين القطاع الخاص والعام، وأن الورشة تأتي «في صلب مبادرة منظومة شركاء 2030»، حسب ما جاء في مقدمة الافتتاح.

كنَّا نتوقع أن تتحول الغرف التجارية والصناعية إلى ورش عمل منتظمة، وندوات مستمرة منذ صدور الرؤية – أو على الأقل بعد تأكيد وزارة الاستثمار والتجارة على هذا الدور-، ولكن لم يتمَّ ذلك، أو لنقل أنَّه تمَّ في نطاق محدود جدًا؛ وقد يكون سبب ذلك انشغال الغرف بالمناسبات الاجتماعية، واستقبال الوفود الأجنبية، والتصديق على مختلف الوثائق، وبعض حالات المحاكمات التجارية التي أخذت حيزًا كبيرًا من جداول أعمال المشرفين عليها، فأشغلتهم عن دور أساسي طالبتهم الحكومة أنْ يقوموا به للمساعدة في توضيح الرؤية ورفع مستوى الوعي لدى الكثيرين ممن لا زالوا يتساءلون عن طبيعة وأهداف هذه الرؤية.

وحتى اللجان المتخصصة في الغرف التجارية لم تبادر- بصورة عامة – إلى مناقشة العديد من برامج الرؤية 2030 إلا في أضيق الحدود وحتى المنتديات التي كانت تعقدها الغرف كل عامين، أضحتْ روتينية في نقاشاتها، وفي بعض بنود جداول أعمالها، بل وبعيدة عن رؤية «الرؤية» بمنظار واضح، وذلك مع ملاحظة وجود اختلافات واضحة بين الغرف التجارية في ذلك. إذِ استمر منتدى الرياض الاقتصادي، يؤدي دوره بالتركيز على الاقتصاد الوطني، وحافظ على سمعته التي كوّنها خلال الفترة الماضية، في حين تكاسلتِ الغرف التجارية الأخرى عن اللحاق به.

لا أحد يطالب بترك الندوات والمنتديات وورش العمل دون تقنين لعملها، فهو أمر مطلوب وتسير عليه مختلف اللقاءات في مختلف دول العالم، فهي حرية نقاش مقننة مبنية على الاحترام في النقاش، بعيدا عن عشوائية المداخلات.

وبتحرك قاطرة تخصيص بعض المؤسسات الحكومية، تزداد أهمية استماع القطاع الحكومي إلى وجهات النظر الأخرى من القطاع الخاص في ظل الشراكة القادمة بينهما، مما يساهم في حل الكثير من المشكلات التي تطرأ هنا وهناك أثناء مسيرة عربة التخصيص.

ومع انطلاقة رؤية (2030) وتطبيقات برامجها المختلفة، يصبح دور القطاع الخاص أساسيًّا ومحوريًّا. فهو، وإنْ تعود في الماضي ــ وفي ظل اقتصادنا الريعي ــ أنْ ينتظر ما تقوم به الحكومة من مشروعات لينال نصيبه منها، من خلال عقود مقاولات، فإنَّ الوضع الحالي – وهو الذي تحوَّل فيه اقتصادنا إلى اقتصاد منتج – لا يحتمل انتظار القطاع الحكومي ليقوم بعمل كل شيء؛ فذلك أمرٌ يتعارض وأهداف الرؤية التي تفترض أنْ يكون القطاع الخاص في هذه المرحلة هو القائد الحقيقي للاقتصاد.

وهو وإنْ تشاركَ مع صندوق الاستثمارات العامة في تنمية مختلف القطاعات، فإنه هو الذي سيدير هذه المشروعات من منطلق تجاري بحت، يساهم في رفع الكفاءة الإنتاجية وتخفيض التكلفة بعيدًا عن أيِّ دعم كانت الحكومة تقدمه. وهو – أي القطاع الخاص – سيشارك المستثمرين الأجانب في إدارة مختلف المشروعات التي يتم إيجادها، وهو أيضا الذي سيقوم بإعداد الكفاءات السعودية المؤهلة لتتصدَّرَ مختلف طبقات السلم الهرمي لهذا المشروع أو ذاك.

ومن هنا تأتي أهمية دور الغرف التجارية والصناعية، بصفتها قنوات تواصل بين القطاعين الخاص والعام، وقائمةً على حلِّ المشكلات التي قد تنشأ في ظل العلاقة الجديدة بين القطاعين.

وختاما، فإننا نطالب بدور أكثر فعالية للغرف التجارية، وأنْ تتحوَّلَ إلى خلايا نحل تتلاقح فيها الأفكار والمقترحات ويمتزج بعضها ببعض. كما أنَّ تفعيل دور الغرف يقضي -أو لنقل يقلل – من الشائعات غير المبنية على حقائق، وهي الشائعات التي تتناقلها وسائل التواصل الاجتماعي بشأن رؤية (2030)، وسيطرة أفكار بعض المتشائمين بشأن نجاحها، وذلك هو الطريق الأقصر والأسهل في اقناع غير المُلِمِّينَ بتفاصيل برامج الرؤية.

* المستشار الاقتصادي والنفطي الدولي

sabbanms@