على الرغم من إنشاء صندوق الاستثمارات العامة منذ فترة طويلة، إلا أنَّه كان محدود التأثير والصلاحيات، وركز على الاستثمار الداخلي بنسبة 95%. وتحويله إلى أن يصبح صندوقنا السيادي قد غيَّرَ من طبيعة عمله، ليكون مناصفةً بين الاستثمارات المحلية والدولية. وجاء هذا القرار في الوقت الذي بدأنا فيه السير نحو تطبيق «رؤية 2030» التي ستحقق – بإذن الله – تحوُّلنا التدريجي نحو اقتصاد متنوع يزيد تنوُّعه من مناعته ضد تقلبات أسواق النفط العالمية.

وقد لاحظنا أنَّ الصندوق – في ظلِّ طبيعة عمله الجديدة – بدأ خطواته بحذر إدراكا لحجم المسؤولية الملقاة على عاتقه، حيث يقوم حاليا باستثمار الأموال المتاحة لديه لبناء اقتصاد قويِّ النمو، يحقِّق لأجيالنا والأجيال القادمة مستوى معيشة أفضل. وتدلُّ هذه البدايات على أنَّه متمسِّك بدوره القيادي للمرحلة القادمة. كما أنَّ إعادة هيكلته التي جرت مؤخرا، تحمل دليلا على الحرص على تفادي أخطاء العديد من الصناديق القائمة، وأنَّه سيعمل على الاستفادة من تجارب الصناديق السيادية الدولية وعلى تحقيق أفضل أداء بينها.

ويكفي الصندوق قيادة أمير«رؤية 2030» محمد بن سلمان له، وإدارة مُقتدرة تتمثل في بقية أعضاء مجلس الإدارة وفي المدير التنفيذي صاحب الخبرة الطويلة، ومجموعة الاستشاريين المستقلين. ولاحظنا أنه ما من فكرة لمشروع من المشاريع الكبيرة ضمن برنامج التحول الوطني إلا وأوكلتْ إلى الصندوق ليقوم بتمويلها والإشراف على تنفيذها، متجاوزا بذلك كل أنواع ومساوئ البيروقراطية التي لا زالت تسكن بعض الأجهزة الحكومية.

ولم يقتصر الصندوق على ذلك، بل تجاوزه نحو اقتناص فرص استثمار دولية مُرْبِحَة توفر له عائدات منتظمة تساعده على أداء دوره في المرحلة الانتقالية من تطبيق الرؤية. كما أنَّ حكومتنا قد نقلت إليه ملكية العديد من الأصول العامة لاستثمارها والاستفادة منها، في محاولة لتقوية مركزه المالي. وقام الصندوق أيضا باصطياد بعض الفرص المحلية المربحة ليشاركها وآخرها ما قام به الصندوق، وهو شراء حصة رئيسية من شركة المراعي تتجاوز نسبتها الـ(16%).

ويُضافُ إلى كل ذلك حصيلة مبيعات الـ(5%) من أصول شركة أرامكو والتي ستتم نهاية العام القادم (2018)، وهي المبالغ التي سَتَدْفَعُ بالصندوق لأنْ يكون أكبر صندوق سيادي في العالم. ونلاحظ في نفس الوقت توسع قائمة المشاريع التي أوكلت إلى الصندوق ليقوم بتنفيذها، من استكمال توسعة الحرمين الشريفين إلى مشروع البحر الأحمر، ومؤخرا مدينة «نيوم» المشروع الضخم المطل على ساحل البحر الأحمر، وقد قُدِّرتْ تكاليف استكماله بنحو 500 بليون دولار.

إذن، صندوق الاستثمارات العامة لم يَعُدْ صندوقا تقليديا، لا من جهة رأسماله الذي سيتجاوز (1.5) تريليون ريال في (2020) – حسبما ذكره الصندوق -، ولا من جهة عدد وحجم المشاريع التنموية الموكلة إليه. ولذا فهو يتنزَّل من (رؤية 2030) منزلة الذراع والقلب الذي يحركها وسيوصلها – إنْ شاء الله – إلى بر الأمان. ولذا فإنَّ الخوف عليه وعلى أدائه هو الشغل الشاغل للكثيرين؛ وذلك لأنّ حدوث أيَّ تعثر في أدائه – لا سمح الله – قد يقلب الكثير من الموازين، ويُفقد الثقة به تدريجيا.

لذا فإنَّ ممَّا يتطلبه تَجَنُّب ذلك، الأخذ بمعايير الحوكمة الدولية في إدارة الصندوق. وهو ما يسعى إليه الأمير محمد بن سلمان كما ذكرَ لنا في لقائنا معه، لِيُبعِدَ عن الصندوق كل سوء في إدارة أمواله الضخمة، إدراكا منه بأنَّه القلب الذي إذا صلح، انعكس ذلك إيجابا على جميع أجزاء (الجسد)، جسد اقتصادنا السعودي والعكس صحيح.

والحوكمة الفعالة لا تشمل فقط حسن الإدارة والمساءلة والاختيار السليم لهيئة الصندوق، بعيدا عن المجاملات، بل تشمل أيضا، أنْ تكون هنالك شفافية قُصوى في الأداء. ولنا في تجربة الصندوق السيادي النرويجي مثال يمكن الاستفادة منه. فذلك الصندوق لديه موقع إلكتروني يتم تحديثه أولا بأول، يشمل – بالدقائق – طبيعة مركز الصندوق والأصول المستثمر فيها وطبيعة العوائد وغيرها كثير. ولا أظنُّ أنَّ تطبيق صندوقنا لمثل هذا الإجراء سيكون صعبا.

وختاما، فقد سعدنا جميعا بإنشاء صندوقنا السيادي بعد فترة طويلة من المعارضة داخليا، على الرغم من مطالبتي بإنشائه منذ (2004)، ولحق بي في المطالبة به إخوة آخرون، بل حتى مجلس الشورى كان قد ناقشه غير مرة، ولكن وللأسف، ألقى اللوبي المعارض لإنشائه – داخل وخارج المجلس – بكل ثقله ليعيق تبنِّي التوصية بشأنه. ونحن وإن كنا لم نتمكن من إنشاء الصندوق في فترة فوائض العصر الذهبي لأسعار النفط، وفترة الفرص الاستثمارية السهلة والرخيصة، فإنشاؤه الآن يستدرك ما فات، ويُشرع الطريق لجميلٍ – بإذن الله – آت.

* المستشار الاقتصادي والنفطي