أعطى برنامج تطوير الصناعات الوطنية والخدمات اللوجستية الذي أعلن الأسبوع الماضي، صورة واضحة للاتجاه الحكومي نحو تحقيق تنمية مستدامة لاقتصادنا السعودي، وخارطة طريق تدفع بنا نحو تحقيق التنوع الاقتصادي الضروري الذي يمثل الهدف الأساسي لرؤية 2030. ولم يكن اختيار القطاعات المستهدف تطويرها عشوائياً بل قام على أسس علمية استكشفت عناصر القوة، وطبيعة الفرص المتاحة في القطاعات التي تم التركيز عليها.

وجاءت قطاعات التعدين والطاقة والصناعات البتروكيماوية والعسكرية والخدمات اللوجستية، وما ينشأ منها من صناعات تحويلية، لتمثل محور خارطة الطريق للمشروعات التي سيتم تنفيذها خلال الفترة المتبقية من الآن حتى 2030.

 

وبالرغم من التحفظ الذي ساد بين بعض المتشائمين حول إمكانية تحقيق كل هذه الفرص الاستثمارية والتشكيك في الأرقام الخاصة بفرص العمل التي ستتوفر بعد تطبيقها، ونسبة مساهماتها في الناتج المحلي الإجمالي، إلا أنه لا بديل لنا من الإصرار على تحقيقها، بغض النظر عن الأرقام المصاحبة للمزايا المتحققة، فقد تكون أقل أو أكثر.

ولو أردنا تلخيص مبررات وضع خارطة طريق من خلال تسمية مشروعات محددة وفرص استثمارية، لوجدنا أنها تتركز من خلال النقاط التالية:

أولاً: إن وجود القائمة الأساسية للمشروعات في القطاعات التي تم التركيز عليها، توضح للمستثمر المحلي والأجنبي الفرص القادمة في المملكة، وسبل اغتنام الاستثمار في هذه المجالات، وجدواها الاقتصادية.

ثانياً: إن بعض هذه المشروعات المقترحة قد تم الالتزام بها مع بعض المستثمرين الأجانب، من خلال اتفاقيات ثنائية أو مذكرات تفاهم، وهذا يعني أن الحكم على جدوى هذه الفرص قد تم حسمه، حيث لا يمكن للشريك الأجنبي أن يقرر الدخول في مشروعات مشكوك في جدواها الاقتصادية.

ثالثا: بالنسبة للصناعات العسكرية، فهي جزء لا يتجزأ من عقود شراء السلاح التي أبرمتها المملكة مع مختلف الدول، والتي أصرت -كنهج جديد- على نسبة مئوية محددة للمحتوى المحلي الذي سيتم تصنيعه محلياً، ونسب تدريب السعوديين في هذا المجال، وهذا يحل محل برنامج التوازن الاقتصادي الذي ساد في الفترة الماضية ولم تكن الاستفادة منه كبيرة، نتيجة للتهاون في الرقابة والإصرار على التزام شركات السلاح المصدر إلى المملكة.

رابعاً: إن هنالك مستوى معيناً من الخبرة المحلية في هذه القطاعات التي يتم استهدافها في المشروعات، والتي قد تراكمت عبر العقود الماضية عبر المصانع القائمة سواء في سابك أو معادن أو غيرهما، وبالتالي فهنالك مستوى أدنى من الكفاءات السعودية المؤهلة لقيادة زمام هذه الصناعات المقترحة، تساعد في تحريك البدايات.

خامساً: ساد مفهوم خاطئ منذ إعلان الرؤية 2030، بأن السعودية ستتحول بعيداً عن النفط، أو أنها ستتوقف عن إدمان النفط، وبالتالي اعتقد البعض أننا سنترك هذا المورد الطبيعي في باطن الأرض دون استغلاله.

وهذا غير صحيح، فلا يمكن إهمال قطاع النفط أو ترك الموارد الطبيعية من هذا المورد أو غيره مما حبانا الله به، بل الاتجاه السليم في هذه الحالة هو في الابتعاد قدر الإمكان عن تصدير النفط على هيئة خامات، ومحاولة تكريره وتصنيعه محلياً لزيادة المحتوى المحلي منه، وزيادة القيمة المضافة، خاصة إذا ما عرفنا أننا نقوم بين الحين والآخر باستيراد بعض المنتجات النفطية المكررة، وأحياناً من نفس الدول التي استوردت منا النفط الخام.

أما قطاع الطاقة المتجددة وهو القطاع الواعد فالمملكة تود أن تكون رائدة في توليد الطاقة الشمسية وتصدير الفائض منها على هيئة طاقة كهربائية تعتمد على مصدر الطاقة هذا. وهنالك اتجاه في ظل برامج الرؤية لتطوير المصادر المختلفة مثل طاقة الرياح والطاقة الحرارية من باطن الأرض عدا الطاقة النووية التي تأخذ وقتاً طويلاً في الإعداد لتصنيعها محلياً والاستعداد للتعامل مع أخطارها.

سادساً: إن الصناعات البتروكيماوية تحمل العديد من الفرص الاستثمارية، فنحن من خلال شركة سابك استطعنا طرق مجال الجيل الأول من البتروكيماويات، وإلى حد ما بعض منتجات الجيل الثاني، لكن هنالك المئات من المنتجات التي يمكن تصنيعها، معتمدين على المنتجات الأولية كلقيم أساسي لها. صحيح أن تكلفة شراء حقوق براءة هذه المنتجات التحويلية مرتفعة، لكن باحتساب كامل سلسلة العائدات المتحصلة، ومزايا تصنيعها محلياً، فإنها تصبح ذات جدوى اقتصادية مرتفعة تغطي بها على تكلفة شراء براءات الملكية.

سابعاً: ونفس المبررات تنطبق على الصناعات التحويلة لمختلف خامات المعادن من فوسفات وحديد ويورانيوم وغيرهما، وهي ما تم التركيز عليها في قائمة المشروعات المقترحة في البرنامج.

وختاماً، فإنه لا بد من ذكر صناعة أساسية لم تحظَ بعد بالأهمية المناطة بها، وإن كانت ذات جهة مختلفة مسؤولة عنها، وهي صناعة وبناء الإنسان السعودي، فهو محور كل هذه البرامج والخطط والمسارات، ولا يجب أن نكرر أخطاء الماضي بتركيزنا على البناء الأسمنتي دون البشري.

ولن نقضي على مشكلة البطالة القائمة التي قد تتفاقم مستقبلاً إلا بالتركيز على التعليم السليم، وإعادة هيكلته وتوجيهه ليخدم مسيرة التنمية في الفترة القادمة كحل متوسط وطويل الأمد، والتركيز في الأمد القصير على التدريب وإعادة التأهيل لأبنائنا، مصحوباً بالبدء في نظام الخدمة الوطنية لغرس قيم العمل والتحمل والاحترام بين شبابنا. وإن لم يتم كل ذلك فستتسم الفترة القادمة بمزيد من المشروعات التي يصاحبها مزيد من العمالة الوافدة، ومزيد من البطالة بين السعوديين، الأمر الذي يمثل خطورة قصوى اقتصادياً واجتماعياً وهو ما لا نرغبه.

 

* المستشار الاقتصادي والنفطي الدولي

sabbanms@