كلما يرد في ذهني مصطلح التعاون الاقتصادي العربي الأوروبي، أتذكر تجربة دول مجلس التعاون المريرة مع الاتحاد الأوروبي لإبرام اتفاقية منطقة تجارة حرة. فهي تكاد تكون أطول مفاوضات تجارية في التاريخ، والأسوأ أنها لم تصل إلى أية اتفاقات، حتى تم تعليقها. ولم يكن ذلك لعدم جدية مجلس التعاون، بل وحتى الأوروبيون يعترفون أنهم السبب في هذا التعثر. إذ لا يعقل أن تستمر المفاوضات التي بدأت منذ عام 1983 أكثر من ربع قرن دون أي اتفاق بالرغم من مشاركات عالية المستوى من الجانب الخليجي.

وإذا عرفنا أن اجتماعات جامعة الدول العربية مع دول الاتحاد الأوروبي قد بدأت منذ عام 2008، وعلى مختلف المستويات، حتى وافق الطرفان على عقدها على مستوى القمة العام 2019 الحالي، على أن لا تعقد إلا كل ثلاث سنوات، وهو ما يعكس التردد الأوروبي الكبير في تحقيق أية اختراقات في تعاون اقتصادي حقيقي مع الدول العربية.

كما أن عنوان القمة التي اختتمت في شرم الشيخ أمس يعكس ما تريده دول الاتحاد الأوروبي من عقد هذه القمة وهو «الاستثمار في الاستقرار». فقد تكالبت مشكلات عدة على الاتحاد الأوروبي في السنوات الأخيرة، وبدأت خلافاتها البينية تظهر للعيان، وانهكتها مشكلة الهجرة التي تأتي من بوابتها الجنوبية وهي دول شمال أفريقيا العربية. وتعرف أن قفل هذا الباب لن يتم إلا بتقليص حاجة هذه الدول وبعض الدول الأفريقية الأخرى للهجرة بحثاً عن لقمة العيش.

وبالتالي فإن التعاون الأدنى لتحقيق هذا الهدف وهو تقليص الهجرة الأفريقية إلى أوروبا – إن لم يكن إيقافها بالكامل – مثل الحافز الرئيس لقادة دول الاتحاد في المشاركة بالكثافة التي شاهدناها.

ورأينا الأسبوع الماضي الذي سبق انعقاد القمة، ومن خلال التلخيص الذي قدمته مفوضية أوروبا التجارية حول مراحل التفاوض المتقدمة والمخصصة لإبرام اتفاقيات مناطق تجارة حرة مع العديد من الدول – ليس بينها دولة عربية واحدة -، لوجدنا عدم الاهتمام الأوروبي بمجموعتنا العربية. بل وليس هنالك بند منفصل حول النية في الانخراط وإبرام مثل هذا الاتفاق، ولم تستغل الجامعة العربية نقاط الضعف الأوروبية القائمة حالياً، للضغط لإدراج هذا البند على جدول أعمال القمة.

إن مشاركة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز -حفظه الله – في القمة، أعطت زخماً كبيراً لها، وأظهرت جدية التعامل مع هذه القمة الأولى بين المجموعتين. وجاءت كلمته في القمة لتوضح الموقف العربي من جميع القضايا التي تهم وتحقق لدولنا العربية الاستقرار المطلوب، وخاصة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية والتدخلات الإيرانية في منطقتنا، ومحاربة المملكة للإرهاب وغسل الأموال.

عموماً التردد الأوروبي في إيجاد تعاون اقتصادي حقيقي مع المجموعة العربية واضح، وله العديد من الأسباب من بينها:

أولاً: يعرف الاتحاد الأوروبي مدى الانقسام الذي يعيشه العالم العربي من خلال ما سُمي بـ «الربيع العربي»، وهو الذي أدى إلى إشعال مختلف المناطق العربية. وبالتالي فاعتقادهم أن قيام تعاون اقتصادي بين الكتلتين يعتبر من المستحيلات. واختيار عنوان القمة، إنما هو اتجاه أوروبي مباشر لتحقيق مصالحها دون الحاجة إلى تحقيق الاستقرار في عالمنا العربي. كما أن أوروبا تعي تماماً أن الخلافات العربية البينية هي في أوجها هذه الأيام، كما هو الحال بين دول الاتحاد الأوروبي، وبالتالي يصعب على أي من المجموعتين تبني موقفاً مشتركاً فيما بينها، ناهيك عن موقف مشترك بين المجموعتين.

ثانياً: حتى التعاون الاقتصادي المقترح بين المجموعتين فهو قد ركز على إمكانات التعاون في مجال الطاقة وبالتحديد ما يرتبط بتغير المناخ، وهو الشغل الشاغل للاتحاد الأوروبي. حيث إنهم من حرك هذا الموضوع على الساحة الدولية لتحقيق مصالح اقتصادية تتمثل في تقليص اعتمادهم على النفط المستورد، بحجة سخونة الغلاف الجوي للأرض نتيجة استهلاك العالم للوقود الأحفوري والنفط على وجه الخصوص، متناسين أن المناخ يتغير بين عصر جليدي وآخر حراري منذ ملايين السنين ولا دخل للنشاط الإنساني فيه.

ثالثاً: دفع الاتحاد الأوروبي الدول العربية إلى تغيير قائمة أولوياتهم والاتجاه نحو الاستثمار في الطاقة المتجددة – والتي لا يعارضها أحد منا – يمثل هدفاً أوروبياً تصر على تحقيقه حتى في دولنا التي لديها احتياطيات ضخمة من الوقود الأحفوري وعلى رأسه النفط. وتتحول دولنا العربية بالتالي إلى الاعتماد على تقنيات الطاقة المتجددة بدلاً من النفط، ويزيد اعتمادها على الدول الغربية مما يؤدي إلى اتساع الأسواق لهذه التقنيات.

رابعاً: لا يهتم الاتحاد الأوروبي كثيراً بالدول العربية، بعد أن حقق منذ أكثر من عقد من الزمان بداية تراجع طلبه العالمي على النفط، وقلص من استيراده بشكل كبير. ناهيك عن التراجع الذي لحق بأسعار النفط العالمية في السنوات الأخيرة. ولذا فهذا من أحد الأسباب التي دفعت الاتحاد إلى تعليق مفاوضاته التجارية مع مجلس التعاون.

خامساً: لو نظرنا إلى حجم التبادل التجاري بين الاتحاد الأوروبي والدول العربية، فقد تجاوز العام الماضي مستوى 320 بليون يورو وهو حجم كبير، إلا أن الميزان يميل بشكل مثير لصالح الاتحاد الأوروبي. وكنا نذكر هذه الحقيقة في تفاوض مجلس التعاون الخليجي مع الأوروبيين، ولم يكونوا مهتمين بذلك، ولا يودون مناقشته.

سادساً: موضوع الإرهاب والهجرة اللذين هما الشغل الشاغل لدول الاتحاد الأوروبي، ويدفعان إلى تعاون اقتصادي مع الدول العربية، وبالتالي لا يمكن فصل هذه الحوارات عن بعضها. إذ لا يمكن أن يتحقق الاستقرار في المنطقة وسد باب الهجرة إلا بإحداث نقلة تنموية اقتصادية للدول العربية، توفر سبل العيش الكريم لأبنائها وبالذات في منطقة شمال أفريقيا (البوابة الرئيسة لأوروبا).

وختاماً، فإن الدول العربية لا بد أن تظهر للأوروبيين أن هنالك مصالح مشتركة عديدة بينهما، وأن التعاون الاقتصادي هو المحور الرئيس الذي تنطلق منه هذه العلاقات لتحقيق استقرار المنطقة العربية، وهو الأمر الذي تنشده دول الاتحاد الأوروبي.

ومن الضروري تحقيق تفاهم على بدء مفاوضات منطقة التجارة الحرة بين المجموعتين ابتداء من الاجتماعات الوزارية القادمة بينهما وصولاً إلى القمة القادمة في بروكسل عام 2022، وإلا فإن هذه القمم ستأتي على حساب الطرف العربي وتنفيذه لإملاءات دول الاتحاد الأوروبي فيما يتعلق بالهجرة والإرهاب دون أي تعاون اقتصادي حقيقي بين الكتلتين.

* المستشار الاقتصادي والنفطي الدولي

sabbanms@