Breaking News

القرارات بداية تصحيحية تضع اقتصادنا على الطريق الصحيح

تحليل
تعكس تيارا من مبادرات مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية
ATT00002

مثلت حزمة القرارات التي اتخذها مجلس الوزراء أمس الأول نقلة نوعية في مسيرتنا الاقتصادية، وعكست تيارا من المبادرات التي بدأ مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية في اتخاذها لتصحيح مسيرتنا التنموية. وأعطت إحساسا للمواطن بأن المجلس وبالرغم من قصر فترة تشكيله التي لا تزيد عن شهرين بدا واثق الخطى بقيادة الأمير الشاب محمد بن سلمان، يتلمس بشكل جيد ما كان يعيق بصورة أو بأخرى هذه المسيرة. وبدأ تدريجيا في تبني قرارات جوهرية نحن في أمس الحاجة إليها.

 
 

مبررات القرارات

 

وفي يقيني أن هذه القرارات الأولية ستتبعها أخرى أكثر مفاجأة وسعادة للمواطن الملتف حول قيادته في هذه الظروف الصعبة، والمستحق لكل الخير من حكومته. ولتبيان مبررات تبني مثل هذه القرارات بناء على توصية مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية، يمكن تلخيصها فيما يلي:

 

أولا: أن الشعور السائد في مملكتنا الحبيبة أن البيروقراطية المتحكمة والمسيطرة في كل الأجهزة الحكومية، التي أصبح كثير منها العائق الرئيسي للتحرك السريع، لا بد له من حل ولا يمكن أن نمضي في مسيرة التنمية وهذا العائق عرقلنا بما فيه الكفاية، ولا يمكن الاستمرار دون إزالته. ولقد شدتني عبارة في قرار مجلس الوزراء وهي «تنفيذا للرغبة الملكية السامية في تمكين وزارة المالية من القيام بمهامها ومسؤولياتها الأصلية التي أنشئت من أجلها»، وهو اعتراف ضمني بأن وزارة المالية قد تضخمت، عفوا أو قصدا، في مهامها بحيث أصبحت عائقا بدل أن تكون مساهما في التنمية الاقتصادية. فهي تسيطر على كل شرايين اقتصادنا، وتتحكم فيه بمركزية مطلقة ولكل صغيرة وكبيرة. وبالتالي فالبداية التصحيحية لكل ذلك هي في تفكيك هذه الوزارة وإبعادها عن كل ما لا يرتبط بمهامها الأساسية. فكل وزارات المالية في كل دول العالم إنما هي وزارات خزانة ترتبط باستلام إيرادات الدولة ورسم ميزانياتها، ومحاولة معالجة أي عجز في الميزانية قد يطرأ بين الحين والآخر بالوسائل المعروفة، وإيكال أي فائض في الميزانية للمؤسسة القائمة على استثماره سواء صندوقا سياديا أو بنكها المركزي. وخطوة التفكيك هذه وإن لم تكن الأولى مع بداية عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، حيث سبقتها خطوة إلغاء العديد من المجالس والهيئات الاقتصادية القائمة التي استكملت في الماضي الشبكة العنكبوتية للتعقيد البيروقراطي. ما حدث من تفكيك لإمبراطورية المالية تركز في إيكال الصناديق المتخصصة لوزاراتها الأم، فالصناعي لوزارة التجارة والصناعة، والزراعي لوزارة الزراعة وهكذا، فهم كما يقول المثل «أهل مكة أدرى بشعابها»، ولا يمكن لوزارة المالية أن تستمر في السيطرة على هذه الصناديق.

ثانيا: في ظل هذا التفكيك الإيجابي لوزارة المالية فإن هنالك خطوة تم تبنيها وهي أساسية جدا، تمثلت في سحب سيطرة وزارة المالية على صندوق الاستثمارات العامة، وربطه بمجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية يشرف على استثماراته برئاسة رئيس مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية، ويكون له أمين عام مستقل. محققا بدرجة أو بأخرى ما كنت أطالب به منذ عام 2004 بضرورة إنشاء صندوق سيادي مستقل عن وزارة المالية ومؤسسة النقد، يتم من خلاله استثمار فوائضنا المالية محليا ودوليا.

 

وبموقعه الجديد، يستطيع صندوق الاستثمارات العامة القيام بدور الصندوق السيادي، ويمكن أن يندمج معه صندوق «سنابل»، البالغ رأس ماله عشرون بليون ريال، وأيضا تخصيص جزء من الاحتياطيات الحكومية المستثمرة من قبل مؤسسة النقد، لتضاف إلى رأس مال الصندوق. وهذه الإجراءات جميعها سترفع رأس مال صندوق الاستثمارات العامة من نحو نصف تريليون ريال إلى أكثر من تريليون ونصف تريليون ريال بإضافة كل من «سنابل» وجزء من احتياطاتنا لدى مؤسسة النقد.

 

ثالثا: يعتبر قرار فصل الاشتباك بين وزارة المالية ووزارة الاقتصاد والتخطيط من أهم القرارات المتخذة أول من أمس. إذ مضى على القرار الرسمي بفصل الاقتصاد عن المالية وضمه لوزارة التخطيط ما يزيد على عشر سنوات، ولا تزال عملية الفصل تراوح مكانها، بالرغم من وجود لجنة كان يفترض أن تنتهي من أعمالها منذ سنوات مضت، وأظنها لا تجتمع بعد أن فقدت الأمل بتزحزح كل طرف عن متطلباته. عدم فصل حقيبة الاقتصاد عن المالية قد أثر على أداء كل من وزارة المالية التي استمرت مثقلة بالأعباء الضخمة، ووزارة الاقتصاد والتخطيط، التي استمرت تخطط وترسم الخطط عند حلول موعدها وتستريح خمس سنوات بين كل خطة وأخرى.

 

ووزارة الاقتصاد والتخطيط وهي التي أوكل لها تنفيذ استراتيجية التحول إلى مجتمع معرفي، والتي رسمتها لها مجموعة الأغر للفكر الاستراتيجي، لا يمكنها القيام بتنفيذ هذه الاستراتيجية لافتقارها لأدوات التحكم الاقتصادي الضرورية، وافتقارها للدور التنسيقي المطلوب بين الجهات المختلفة.

 
 

رسوم الأراضي البيضاء

 

رابعا: لم أقابل مواطنا منذ صدور قرار فرض رسوم على الأراضي البيضاء غير المستغلة، إلا ويهلل ويصفق للقرار الذي طال انتظاره. وتعود أهمية قرار فرض رسوم على الأراضي البيضاء للعوامل التالية:

 

1- أن مشكلة الإسكان التي يعيشها المجتمع السعودي هي مشكلة حقيقية تتمثل في أن ما لا يقل عن 40% من المواطنين السعوديين لا يمتلكون منازل خاصة بهم، وهذه النسبة آخذة في التزايد مع تزايد أعداد السكان، خاصة أن المجتمع السعودي مجتمع شاب في تركيبته، إذ أن 59% من السكان هم أقل من 30 عاما.

 

وبالتالي هنالك طلب كبير ومتزايد على الأراضي لبناء المساكن، ناهيك عن الاحتياجات الحكومية لأراض لبناء بعض التجهيزات الأساسية من مدارس ومستشفيات وغيرها.

 

2- إن هذا الطلب الضخم والمتزايد عبر السنوات القادمة اصطدم بعائق عدم وجود الأراضي الكافية لمواجهة الطلب، وذلك بسبب وجود حيازات كبيرة ومتوسطة وصغيرة من الأراضي لفئة محدودة من السكان لا تود استغلالها وإتاحتها ببيعها للآخرين. هذا التمنع من التطوير لأراضي هؤلاء، نتج عنه ارتفاع تدريجي لأسعار الأراضي من جهة، واتجاه الكثيرين الى أطراف المدن وفي مناطق غير مطورة أو بعضها غير مؤهل للسكن.

 

3- لم يلتفت أصحاب الحيازات الكبيرة للمشكلة الإسكانية والإنسانية القائمة، بالرغم من تجسيد الإعلام الداخلي لحجم المشكلة، وحث هؤلاء الملاك في تطوير أراضيهم أو بيعها. وحجة الملاك تتمثل في أن هذه الأرض «لا تأكل ولا تشرب» فلندعها كما هي، خاصة أن أسعارها ترتفع تدريجيا. ومع صدور قرار فرض رسوم على الأراضي البيضاء تنقشع تدريجيا هذه الأزمة، وسيبدأ كثير من الملاك في سرعة التخلص من هذه الأراضي غير المستغلة، سواء ببيعها كما هي، أو تطويرها وبيعها. ولا أعتقد أن الملاك ينتظرون القواعد والإجراءات الخاصة بجباية الرسوم، فالكل يعتقد أن الانتظار لذلك الوقت قد يكلف الكثير سواء من جراء انخفاض أسعار الأراضي أو ارتفاع الرسوم المفروضة، أو الاثنين معا. ويحاول بعض الملاك إعطاء إحساس للمواطن وهم في غمرة التخلص من حيازاتهم الكبيرة، أن أسعار الأراضي سترتفع بشكل كبير في الفترة القادمة نتيجة لارتفاع تكلفة تطوير هذه الأراضي، وهي محاولة يائسة منهم للتقليل من الانخفاض الكبير المتوقع في أسعار الأراضي، ولا يمكنهم إقناع الآخرين بها على الإطلاق.

 

طبعا تبقى التفاصيل الخاصة بهذه الرسوم، ومسألة المعلومات الدقيقة عن الأراضي غير المستغلة أمر مهم جدا إذ تذكر بعض الأرقام أن أكثر من 40% من مساحات المدن الرئيسية الداخلية هي عبارة عن أراض غير مستغلة. كما أن بعض هذه الأراضي غير موثقة رسميا بعد، ولا يعرف ملاكها أيضا.

 

أعتقد حينما قلت في لقاء تليفزيوني «إن الشيطان في التفاصيل»، فإنني أعني ذلك تماما، لكنني متفائل بقيام مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية بدوره في متابعة سرعة إصدار القواعد، وضمان عدالتها وتطبيقها على الجميع، ما يحقق المساواة من جهة وإيجاد حل دائم لمشكلة الإسكان المتفاقمة.

 

ختاما..

أعتقد أن القرارات الأخيرة لمجلس الوزراء تصب في مصلحة المواطن وتعمل على تحقيق الإصلاح الاقتصادي المنشود، وهذه الحزمة من القرارات سيتبعها المزيد الذي يضع اقتصادنا في مساره الصحيح بعيدا عن العقبات والهدر والفساد إن وجد لا قدر الله.

About The Author

Related posts

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

%d bloggers like this: