Breaking News

العولمة الاقتصادية.. تواجه تراجعا كبيرا

مثّل انهيار مفاوضات لجنة التنمية المستدامة التابعة للأمم المتحدة الأسبوع الماضي، وعدم قدرة اللجنة التوصل إلى اتفاق نهائي بعد جولة مفاوضات على مدار أسبوعين، مثّل نكسة أخرى للعمل الاقتصادي الدولي المشترك. ويدلُّ ذلك ـ بما لا يدع مجالا للشك ـ على أن العالم مقبل على ترتيبات اقتصادية مختلفة في الشكل والمضمون. فالدول المتقدمة لا ترغب من خلاله (العمل الاقتصادي الدولي المشترك) أن تكون الراعية أو الممولة للدول النامية لمساعدتها في تحقيق تنميتها الاقتصادية. هذا الاتجاه الجديد من الدول المتقدمة أربك بشكل كبير العمل الدولي المشترك والعولمة الاقتصادية على وجه التحديد، وأدى إلى كسر كثير من المبادئ والأسس التي تم اعتمادها على مر السنين، من خلال مختلف المعاهدات والبيانات والوثائق الدولية، وأدى إلى مزيد من إضعاف الثقة بين مجموعتي دول الشمال والجنوب. ولم تكتفِ هذه الدول بالتخلي عن التزاماتها الدولية، بل أصبحت تنادي بإلغاء كل الفروقات بينها وبين الدول النامية، من جهة الالتزامات المتعلقة بما يتم تطبيقه محليا لديها، وأيضا بما يتم تبنِّيه من قواعد العمل الدولي المشترك. وكلُّ ذلك يمثل إخلالا جوهريا أدى ويؤدي إلى إدخال العولمة الاقتصادية في بيات شتوي قد يطول أمده.

وقد قدَّم التعثر الذي لحق بجولة الدوحة الخاصة بإبرام اتفاقية جديدة لتحقيق مزيد من التحرير للسلع والخدمات تحت مظلة منظمة التجارة العالمية ـ مثالا آخر على هذا التراجع. وتضاءلت الآمال بإمكان إحداث أيَّة اختراقات، نتيجة تصلب المواقف وإصرار الدول المتقدمة على فرض شروط قاسية على الدول النامية لفتح أسواقها بشكل شبه كامل، غير أنَّ الدول النامية الرئيسة لم تقبل بتلك الشروط. كما أن تصلب الدول المتقدمة أمام مطالب تحرير القطاع الزراعي فيها وتخلصها التدريجي من الإعانات التي تقدمها لمزارعيها أسهم في فرض حالة الجمود هذه لجولة الدوحة، ولا أحد يعلق آمالا بحدوث اختراق قريب.

وهذه التراجعات المتتالية التي حدثت خلال السنتين الأخيرتين ـ في تصوري ـ لم تكن الأولى ولن تكون الأخيرة، فهي ستستمر لعدد من السنوات تتواكب فيها مع التغييرات العديدة التي تشهدها الساحة العالمية، سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا، ويتشكل من خلالها عالم جديدة على مختلف هذه الأصعدة. وسيستمر التعاون الدولي عند أدنى مستوياته دون اختراقات تٌذكر خلال هذه الفترة، مع محاولة المحافظة على القائم من المعاهدات والاتفاقيات الدولية دون تراجع كبير قدر الإمكان. كما سيتزايد دور مجموعة العشرين في صياغة النظام الاقتصادي العالمي الجديد ومدى قدرته على الصمود امام المتغيرات العالمية المتسارعة.

أسباب تراجع تيار العولمة الاقتصادية

أولا: دول نامية – في تصنيف الأمم المتحدة -لم تعد نامية

يتسيد اقتناع لدى الدول المتقدمة بضرورة تغيير فلسفة العمل الدولي المشترك نظرا لعدم مواكبة الترتيبات القائمة لما طرأ دوليا من متغيرات. ففي اعتقادها، لم يعد هنالك سوى عدد محدود من الدول النامية التي تحتاج إلى تقديم العون المادي لها أو توفير التكنولوجيا لها بتنازلات ومساعدتها في القضاء على الفقر وتحقيق التنمية الاقتصادية، وعلى رأسها الدول التي تصنفها الأمم المتحدة بالدول الأقل نموًا، ومنها العديد من الدول الإفريقية، مثل أوغندا ولوسوتو وبوركينا فاسو وغيرها، إضافة إلى بعض الدول الآسيوية ودول أمريكا اللاتينية، مثل نيبال وبنجلادش وبوتان وغيرها. وهذا التوجُّه يمثل تحوُّلا جذريًّا عما كانت تلتزم به في الماضي من تقديم مساعدتها المالية لجميع الدول النامية دون استثناء ووفق شروط وأحكام مختلف الاتفاقيات الدولية. وحجة الدول المتقدمة في ذلك أن العديد ممن كان يعرف بدول نامية قد خرج من هذا النادي، وأصبح في مستوى اقتصادي يقارب العديد من الدول المتقدمة، إن لم يتفوق على كثير منها. ويضربون المثل بالصين والبرازيل والهند وجنوب إفريقيا وكوريا الجنوبية والمكسيك وغيرها من الدول التي غدت متطورة، وتحقق أخيرا معدلات نمو اقتصادي منتظمة، تفوق المعدل العالمي بكثير على الرغم من الركود الاقتصادي العالمي، ومِن أمثلة ذلك ما تحققه الصين من معدل نمو يتجاوز الـ (9 في المائة) سنويًّا. فقد بيَّنت الحقائق أنَّ الصين قد تجاوزت اليابان وأصبح اقتصادها ثاني أكبر اقتصاد عالمي. وعلى الرغم من العدالة النسبية لهذا المطلب، غير أنه لايمكن أن يتم فرضه على المجتمع الدولي بمعزل عن فتح حوار رسمي حول التصنيف القائم لدى الأمم المتحدة بإشراك الجميع في مناقشته، ومحاولة الاتفاق على تصنيف مقبول من جميع الأطراف لا أن يتم إقراره بشكل فردي وانتقائي دون أسس أومعايير موضوعية متفق عليها. فالصين والهند تطالبان بتبني معيار معدل الدخل الفردي، فمهما تضخمت القيمة المطلقة لناتجهما المحلي الإجمالي فإنَّها تصبح قيمة ضئيلة حين قسمتها على عدد السكان الهائل في كلتا الدولتين. وفي نهاية المطاف فهي في حاجة إلى تحسين المعدل الفردي للدخل، وليس فقط تحسين الدخل المطلق. وفيما يخصُّ دولنا البترولية، فإنه لا يمكن اعتبارها دولا متقدمة وفقًا لمعيار الدخل فقط، حيث ما زالت تعتمد بشكل كبير على دخل الصادرات البترولية في تمويل التنمية الاقتصادية فيها، وذلك يجعلها عرضة للتقلبات تبعا لتقلبات سوق البترول العالمي، ولابد حينئذ من النظر إلى معايير اقتصادية واجتماعية أخرى لتحديد متى وعند أيِّ مستوى من التنويع الاقتصادي يمكن أن تتخرج من نادي الدول النامية لتنضم إلى نادي الدول المتقدمة بكل ما يحمله ذلك من تبعات. وحتى يتم ذلك فلا يمكن أن يتم تغيير التصنيف بصورة انفرادية، وإجبار دولنا البترولية على التزامات يفترض أن تكون على عاتق الدول المتقدمة. وبالتالي فلا يمكن ـ على سبيل المثال ـ إدراجنا ضمن الدول المُلزمة بتمويل برامج التنمية في الدول النامية. وإنْ حدث ذلك فيجب ألا يُجعل التزامًا يُنص عليه في الاتفاقيات الدولية، بل اختيارًا يمكن أن تأخذ به بعض دولنا متى ما أرادت، وتاريخها يشهد لها بمساهماتها الطوعية الضخمة على مر العقود الماضية.

ثانيًا: سيطرة تراجع الاقتصادات العالمية على الأداء المشترك والتوجه نحو الاهتمام بالشأن المحلي

شهد العالم منذ عام (2008) أسوأ تراجع اقتصادي منذ الكساد العالمي العظيم في الثلاثينيات من القرن الماضي. فدخلت العديد من الدول في حالة من الكساد وسيطرة مشكلة معدلات البطالة المرتفعة، وتفاقم الدين العام، وإعلان إفلاس العديد منها ـ لولا تدخل بعض المؤسسات المالية وبعض الدول لإنقاذها من وضعها المتردي ـ، إضافة إلى سلسلة من التراجعات الحادة في أسواق الأسهم العالمية، وإفلاس وخروج بعض الأسماء المالية العالمية المشهورة، وغير ذلك من تبعات هذه الهزة الاقتصادية. فالولايات المتحدة الأمريكية ـ على سبيل المثال ـ تعاني معدلات بطالة تفوق الـ (9 في المائة)، مع اقتراب الدين العام الأمريكي من الـ (14.3) تريليون دولار. وأصبحت الإدارة الأمريكية الديموقراطية في صراع دائم مع الكونجرس ذي الغالبية الجمهورية على أغلب الموضوعات المطروحة المحلية منها والدولية لاتخاذ القرار بشأنها، مما أدى إلى حدوث شلل غير مسبوق في تحرك الإدارة الأمريكية تجاه مختلف الموضوعات بما في ذلك التعاون الدولي. والعالم وإن كان قد بدأ يتعافى اقتصاديا، إلا أن هذا التعافي لا يزال هشا وتنتابه بعض التراجعات والهزات العنيفة، الاقتصادية منها والمناخية غير المتوقعة، منها زلزال اليابان، وإصابة الاقتصاد الياباني بشلل عام، والتراكم والتضخم في أحجام ديون دول أوروبية مثل اليونان وإيرلندا والبرتغال، والتدخل المتكرر للاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي لإطفاء حرائق عدم قدرة هذه الدول وغيرها على سداد تلك الديون.

هذا الوضع الاقتصادي العالمي المتردي انعكس على أداء مختلف الدول وعلى نمط تصرفاتها عالميا، فلا أحد يعطي أولوية لغير الشأن الاقتصادي المحلي وكيفية حل المشكلات القائمة بما في ذلك اللجوء إلى مزيد من إجراءات الحماية ومحاولة الانغلاق تجاريا، وقفل الباب على أية اتفاقيات دولية تؤدي إلى مزيد من الانفتاح التجاري مع بقية دول العالم، حتى وإن اضطرها ذلك إلى خرق بعض التزاماتها الدولية. وقد اتجه العديد من الدول المتقدمة خلال هذه الأزمة إلى الإعلان صراحة عن عدم التزامها بالمبدأ الدولي المتعارف عليه بـ ”اعتماد الدول بعضها على بعض” والتصريح بأنها ستخفض اعتمادها على ما تستورده من هذه الدولة أو تلك، أو ما تستورده من سلع. وبالتالي يمكن القول إن العديد من الدول ـ والمتقدمة منها على وجه الخصوص ـ ليس في أجندتها تحريك العمل الدولي المشترك حاليا بل تعطيله، ما أمكن ذلك بصورة معلنة وغير معلنة.

ثالثا: تزايد صلابة وقدرة الدول النامية التفاوضية

تعودت الدول المتقدمة ولعقود من الزمن ألا تواجه أية صعوبات تُذكر في الضغط على الدول النامية لقبول كل ما ترغب فيه ويخدم مصالحها في محافل التفاوض الدولي، وحتى إن كانت هنالك مقاومة من دولة أو أخرى، فإن مكالمة هاتفية بين رؤساء الدول، والتلويح بوقف المساعدات أو تجميد أي تعاون ثنائي في أي مجال، يؤدي وفي اللحظات النهائية إلى انهيار تام في موقف هذه الدولة النابع من مصالحها، وتعود إلى صوابها، من منظور الدول المتقدمة، بل مرت مواقف عديدة تم فيها على سبيل المثال، تمرير دول متقدمة أوراق مواقف مكتوبة لتقوم دول نامية بتلاوتها وكأنه موقفها. وهذه الدولة النامية لا تكتف بذلك، بل يقوم ممثلها منصاعًا، وشاكرًا، ومقدرًا وأمام الجميع، بإعادة الورقة إلى الدولة المتقدمة المعنية دون أي شعور بالحرج.

هذه المواقف بدأت تتغير، مع بزوغ نجم الدول النامية الصاعدة اقتصاديا، وتزايد إدراكها ووعيها بأهمية الدفاع عن مصالحها، وأنه ليس عليها أن تكون دائما الطرف المتنازل كما كان اعتقادها في السابق. وأصبح الموقف الرسمي للدولة موحدًا لا يمكن اختراق خطوطه الحمر مهما كان حجم الضغوط وممارسات ”لي الذراع”. ولعل التعثر الكبير الذي وصل إلى طريق مسدود في جولة الدوحة الخاصة بمنظمة التجارة العالمية، وتعثر التوصل إلى اتفاقية دولية جديدة ملزمة في مفاوضات الأمم المتحدة للمناخ، يُجسدان بوضوح هذا التغيّر. ومن يشارك في الاجتماعات الدولية لأول مرة يعتقد بأن حوار الشمال والجنوب الذي عقد في مدينة كانكون في المكسيك في السبعينيات من القرن الماضي لم ينته.

هل تكون مجموعة العشرين البديل في هذه المرحلة الانتقالية؟

لم يخطر ببال الدول المتقدمة يومًا أن تُشرك الدول النامية في إدارة العالم اقتصاديًا، واعتقدت أنَّ ”مجموعة السبع” التي تضم أبرزها والتي انضمت إليها روسيا فيما بعد لتُعرف بعد انضمامها بـ ”مجموعة الثماني”، اعتقدت أنَّها هي حكومة العالم الاقتصادية تساعدها في ذلك المؤسسات المالية الدولية المسيطر عليها من قِبلها، مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. ولكن مع مرور الزمن، اكتشفت دول تلك المجموعة عدم فعالية قراراتها وبياناتها وعدم تجاوب الدول الأخرى معها وبالأخص دول مثل الصين والبرازيل وغيرهما لعدم مشاركتها في صنعها، أو لعدم أخذ مصالحها في الاعتبار وبالتالي فهي قرارات وبيانات لا تعنيها.

ومن أجل ذلك تم تحويل مجموعة العشرين ـ كانت قد شُكلت أصلا على مستوى وزراء المالية في أكبر عشرين اقتصادًا في العالم ـ لتحل محل مجموعة الثماني في إدارة الاقتصاد العالمي. وأصبحت المجموعة تعقد اجتماعًا سنويًّا على مستوى القمة تسبقه اجتماعات على مستوى الخبراء وعلى مستوى وزراء المالية. وتعتبر السعودية الدولة العربية الوحيدة في هذه المجموعة، وبالتالي فهي ضمنًا ودون تفويض، وانطلاقًا من المصالح المشتركة، ممثلة للدول العربية إضافة إلى تمثيلها دول منظمة أوبك، وكانت تساعدها إندونيسيا، عضو مجموعة العشرين، قبل أن تنسحب الأخيرة من ”أوبك”.

ولكن يظل عدم إلزامية القرارات وعدم شمولية التمثيل في عضوية مجموعة العشرين نقاط ضعف فيها، وفي محاولة من دول تلك المجموعة للقضاء على نقاط الضعف تلك تعمل سنويا على استضافة.

بعض رؤساء دول أخرى متقدمة ونامية، حسب أهمية الموضوعات المطروحة ومدى ارتباطها بدول معينة غير أعضاء يتحتم معها دعوتها لهذه القمة أو تلك. كما انشغلت المجموعة في الآونة الأخيرة بأمور تنظيم الأسواق، وتقليل المضاربات فيها، وإصلاح النظام المالي العالمي. وهذه الموضوعات ـ وعلى الرغم من أهميتها عالميا في الوقت الراهن ـ تبتعد بأجندة التعاون الاقتصادي الدولي الذي ترغب فيه غالبية الدول النامية والمتمثلة في الإجراءات المباشرة المطلوبة لمساعدتها في تحقيق التنمية الاقتصادية فيها والقضاء على الفقر. كما أن التطرق إلى مسألة فقر الطاقة العالمي من منظور الحد من استهلاك الوقود الأحفوري وإزالة إعانات الوقود، لا يحل هذه المشكلة بل ويضر بمصالح الدول النامية المعتمدة على إنتاج وتصديرالوقود الأحفوري.

وختاما، فإنّ الجمود الذي طرأ على العمل الاقتصادي الدولي المشترك – والذي ناقشت هذه المقالة أسبابه – يحتم على المجتمع الدولي الإسراع في إيجاد الحلول التي تضمن إزالته واستمرار العمل المشترك، مع الأخذ في الاعتبار التغيُّرات التي حدثت عالميًا، بما في ذلك نديَّة العديد من الدول النامية وتنافسيتها على ساحة الاقتصاد العلمي، مع ضرورة إدراك الدول المتقدمة – إن هي لم تدرك بعد – أنَّ التفاوض مع الدول النامية قد أصبح ذا اتجاهين انطلاقا من مبدأ الأخذ والعطاء.

About The Author

Related posts

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

%d bloggers like this: