انخفاضُ أسعار النفط عام (2014) من مستويات أعلى من 100 دولار للبرميل، إلى أقلَّ من 50 دولارا للبرميل، مثَّلَ صدمة كبيرة وجرسَ إنذار للمملكة، بأنَّ الاعتماد شبه المطلق على عائدات تصدير النفط الخام لا يجب أنْ يستمرَّ، وأنَّه لا يمكن لدولتنا أنْ تظلَّ تعتمدُ على مصدر متقلب الأهواء، تتحكم في أسعاره عوامل دولية خارج نطاق السيطرة.

فكان أنْ انتقلنا إلى مرحلة جديدة عنوانها «التنويع الاقتصاد»، بكلِّ ما تعنيه الكلمة من تغييرات جذرية تشمل، ليس فقط الجوانب الاقتصادية وتطوير قطاعاتها المختلفة، بل أيضا الاجتماعية والثقافية وغيرها.

هذه النقلة تمَّت من خلال صياغة رؤية «2030» التي اعتمدت على نقاط قوة المملكة العديدة، ومنها إصرار القيادة على تنفيذها مهما كان الثمن، فلا بديل لنا عنها، إنْ أردنا أنْ نعيش حياة كريمة نحن وأبناؤنا وأجيالنا القادمة.

وكان أنْ سبقَ تنفيذ برامج الرؤية الطموحة إجراء الإصلاحات الاقتصادية الضرورية التي كان يجب أنْ تتمَّ منذ سنوات مضتْ، ولكن حدوث فترات ارتفاعات أسعار النفط الماضية دفعتنا بين الحين والآخر إلى التراخي والتأجيل؛ ظنا منَّا أنَّ منحنى أسعار النفط سيستمرُّ في صعود دائم، في متوسطه.

وأدَّتْ تلك التغيرات والواقع الجديد إلى أنْ أخذنا في تطبيق الحوكمة في كل أجهزة الدولة؛ للرفع من مستوى كفاءتها، خاصة وأنَّها ستستمر في بدايات الرؤية مُشْرِفَةً على التطبيق، إلى أنْ يُمسك قطاعنا الخاص بزمام أمورها، ويُبْحِر بها. وقد قطعتْ عمليات الحوكمة شوطا كبيرا وإنْ لم تكتمل بعد. ورافق ذلك الدفعُ بصندوق الاستثمارات العامة ليكون الذراع التمويلية لبرامج الرؤية، ثُمَّ تحول إلى أن أصبحَ صندوقنا السيادي، بعد معارضة البعض له في الماضي، وجرى توزيع استثماراته مناصفة بين السوق المحلي والدولي.

وتمت مراجعة مختلف الإعانات الحكومية التي كانت تعم مختلف القطاعات، ومنها إعانات الوقود، مع الأخذ في الاعتبار، تعويض الفئات التي تأثرتْ جراء ذلك. ثمَّ بدأنا نفكر ونخطط لإنشاء مدن اقتصادية وصناعية وترفيهية جديدة، في إطار التطوير المتكامل، والتنمية المتوازنة بين مختلف المناطق.

والأهم من كل هذا وذاك، الخطوات المتخذة للقضاء على الفساد الذي كان متفشيا في جميع قطاعاتنا، وعلى كافة المستويات، وكان التحرك في هذا الاتجاه، ولا يزال مناسبا ورادعا؛ مِمَّا أعطى مصداقية لتطبيق برامج الرؤية، في ظلِّ إجراءاتِ النزاهة الصارمة.

ومنطلق التنويع الاقتصادي للرؤية، لم ولن يكون بإهمال أيٍّ من القطاعات الأخرى، وخاصة القطاعات الاقتصادية القائمة على موارد طبيعية واحتياطيات كبيرة منها، ومنها الموارد الهيدروكربونية (النفط والغاز)، بل إنَّ التطوير في هذه القطاعات وغيرها يركز بشكل أساسي على تطوير المحتوى المحلي وزيادة القيمة المضافة والتكامل الرأسي والأفقي لها.

كل هذه الخطوات وغيرها أخذت الكثير من الجهد لتأسيسها، ولا زلنا في بدايات تنويع اقتصادنا؛ ولذا فإن غير المتابع من مواطنينا السعوديين لكلِّ تلك الخطوات يظنُّ أنَّ الرؤية تقتصر على إجراء كل هذه الإصلاحات، وأخذِ ما في جيوبهم دون أن يروا الإنجازات الموعود بها. وللأسف هنالك من يُجاري هذا التشاؤم من بين الواعين بهذه الأمور؛ رغبة في كسب محبة هؤلاء – سامحهم الله -، وهو الأمر الذي أدى إلى تفاقم أعداد هذا النمط الانهزامي.

وكأننا تناسينا حتميَّة وجود فترة زمنية تطول أو تقصر بين ما تمَّ التخطيط لتنفيذه في إطار رؤية «2030»، وظهور النتائج. ذلكَ أنَّ أيَّ بنيان لن تجده يظهر فجأة، ولكنْ لا بُدَّ من مروره بمراحل يتم إنجازه وفْقَها، بدءا بالأساسات التي يقوم عليها وانتهاءً باكتمال بناء مختلف الأدوار.

لا أحدَ ينكرُ وجود تحدِّيات واجهتْ وتواجهُ المراحلَ، وبعضها لم يكنْ في الحُسبان، بل ظهرَ أثناء التطبيق، مِمَّا يتطلَّب مراجعتها بين الحين والآخر. وقد رأينا – على سبيل المثال – كيف تم تأجيل تحقيق ميزانية متوازنة إلى عام (2023) بعد أنْ نتجَ عن التخطيط لتحقيقها عام (2020)، العديدُ من الصعوبات التي واجهتنا، ومنها تقلبات أسعار النفط، والتوسُّع في الإنفاق الحكومي لتحريك عجلة الاقتصاد التي عانت وتعاني من تباطؤ نتيجة التقشف الحكومي الذي مارسناه خلال الفترة الماضية؛ بناءً على توصية مُضَلِّلَة من صندوق النقد الدولي، وإنْ كنَّا قد أخذنا في تجاهلها مؤخرا، عاملين على زيادة كفاءة الإنفاق، لا التقشف، وهنالك فرق بين الاثنين واضح وكبير.

وهذه التصحيحات التي تمَّتْ وتتمُّ بين الحين والآخر، لا تعني تراجعا في تطبيق الرؤية؛ إذْ هي متطلبات لتحقيق توازن اجتماعي ضروري للفترة الانتقالية. وما ينتج عن هذه التصحيحات من تأخير في بعض المواعيد لا يعني أنَّنا نبتعد عن الوصول إلى هدف الرؤية في العام المُقَّرر له، وهو عام (2030)، إنْ شاء الله.

وفي سبيل تمكين القطاع الخاص والمستثمرين السعوديين والأجانب من قيادة عجلة الاقتصاد – كما تم تمكين المرأة من قيادة مركبتها -، تحرَّكتِ الحكومة في برنامج التخصيص الذي بُدِئَ به منذ أكثر من ثلاثة عقود، ولكنَّ تحرُّكَها هذه المرة يسير بجدية تامَّة وشموليةٍ أكبر، إيمانا منها بأنَّ دور الحكومة – كما هو في كل المجتمعات المتقدمة – يَتمثّلُ في تهيئة المناخ الاستثماري، ووضعِ الأسسِ والقواعد التي تسهل عمل القطاع الخاص، وتسرِّع معاملاته، وتمكينِ المستثمرِ الأجنبي من التصرف بحرية أكبر لا أنْ يكون تحت رحمة كفيل سعودي، وهو ما تحقق إلى حد كبير والقادم أكبر.

وختاما نقول: إنَّ سيادة النظرة المتفائلة بيننا ترجع إلى أسباب عدَّة، منها:

ــ حجم المنجز من الإصلاحات الاقتصادية في زمن يُعَدُّ قياسيا.

ــ تطبيق رؤية «2030» والوصول بها إلى هدفها النهائي خِيارٌ إستراتيجي، لا بديل لنا عنه، مهما كان الثمن الذي ندفعه لتحقيق ذلك.

– الوضع الذي كنا عليه غير مستدام على الإطلاق: مجتمع ريعي غير منتج، ومواطنون معتمدون على حجم كبير من الإعانات التي عزَّزَتْ فينا أنماطا استهلاكية غير محمودة.

* المستشار الاقتصادي والنفطي

sabbanms@