الهزيمة التي تلقتها تريسا ماي رئيسة وزراء بريطانيا الأسبوع الماضي، برفض مجلس العموم البريطاني الصفقة التي أحضرتها من بروكسل، قد مثلتْ نكسة لدبلوماسية التفاوض الإنجليزي؛ فما توصَّلتْ إليه بريطانيا من خلال الاتفاق، قد ألغى العديد من المزايا التي كانت ستتمتع بها، فيما لو تمت موافقة دول الاتحاد الأوروبي على الصيغة الأوليَّة المقدمة، وهو ما أزعج المعارضين في مجلس العموم فَحَمَلَهم على الإطاحة بالاتفاق.

وكثيرون منا قد تابعوا بعض أو معظم مفاوضات اتفاق الخروج من الاتحاد الأوروبي. ومع غياب بعض تفاصيل هذا التفاوض عنَّا، فقد كنَّا على يقين أنّ الطرفين الأوروبي والإنجليزي سيخوضان معارك كرٍّ وفرٍّ، وأن هناك دماءً ستُسال، وأنَّه ليس منَ السهولة توقُّعُ انتصار أحدهما على الآخر. فبريطانيا من أوائل دول العالم خبرة بالتفاوض الدولي، منذ أنْ كانت الدولة العظمى في العالم. وظنَنَّا أنَّه باضمحلال دورها العالمي، مقارنة بالقرون الماضية، فإنها لن تحصل على ما تريد من أوروبا.

وبدأ الكثيرون من الإنجليز يُشكِّكون في جدوى الاستفتاء الذي أجرته دولتهم في يوليو (2016) حول بقائها أو خروجها من الاتحاد الأوروبي، ولمَّا جاءت نتيجة التصويت لصالح الخروج، بدأ الانقسام الحقيقي للمجتمع البريطاني، وقد تفجَّرَ مع فشل التصديق على «خطة الخروج». فبدأتْ «ماي» رحلة البحث عن بدائل تستطيع أنْ تقنع مجلس العموم بوجاهتها، بعد أنْ أُغلِقَتْ أمام الجميع مسألة إعادة التصويت على خروج بريطانيا.

من خبرتي المتواضعة في مجال التفاوض الدولي -من خلال الأمم المتحدة ولحوالي ربع قرن تقريباً- أعلم أنَّ المفاوضين الأوروبيين كانوا ولايزالون من أصعب المفاوضين الدوليين. فقد تفوقوا على الأمريكيين والصينيين واليابانيين وغيرهم. وتأتي بريطانيا في مقدمة المفاوضين ذوي المهارات العالية، والمواقف الصلبة، وتستخدم في سبيل تحقيق مصالحها كل أساليب التفاوض وأحياناً التحايل.

وقد عوَّدتنا -فيما مضى- أنْ تختبئ وراء الولايات المتحدة ما دامتْ تتحدث وتدافعُ عن مصالح شبيهة بمصالحها. أما الآن فالمصالح المشتركة مع الولايات المتحدة محدودة، في مجالِ مختلفِ الاتفاقيات الدولية، وخاصة في ظل تعطيل أمريكا العمل بمختلف الاتفاقيات الدولية.

في المقابل، فإنَّ بقية دول الاتحاد الأوروبي ليست بأقل شأناً من بريطانيا في التفاوض الدولي؛ فكِلاهما يُعطي الطرفَ الآخر خلال التفاوض الإحساسَ بأنه هو الكاسب. وكم من مفاوضات دولية فرَّطتْ الدول النامية في الكثير من مصالحها نتيجةً لهذا الانطباع الممنوح لها من قبل الأوروبيين.

لذا فقد كان معروفاً مُسبقاً أنَّ معركة خروج بريطانيا لن تكون سهلة على الإطلاق، وكان الاتحاد الأوروبي أكثر هُدُوءاً من الطرف الإنجليزي؛ وذلك للأسباب التالية:

أولاً: بما أن خروج دولة من الاتحاد الأوروبي سيمثل سابقة قد تدفع بدول أخرى أعضاء في الاتحاد، إلى الخروج مُحاكاة؛ وذلك يعني انفراط عقد الاتحاد الأوروبي، خاصة في ظل صعود تيارات اليمين المتطرف في العديد من دوله. لذا قام الاتحاد الأوروبي بتفصيل خطةٍ للخروج، حرمتْ بريطانيا من الكثير من المزايا التي كانت تتوقعها.

ثانياً: مارست بريطانيا عند بدايات مفاوضات الخروج مبدأ «الاختيارات»، لِمَا تريد إدراجَه في الاتفاق وما لا تريد؛ وقد قوبل ذلك بالرفض التام من قبل الاتحاد الأوروبي. وأخبروها بأن «الدخول بإرادة والخروج باستئذان». وكلُّ دولة عضو في الاتحاد كان عليها تفسير المقصود بذلك.

ثالثاً: عدم تمرير اتفاق الخروج في مجلس العموم، كان صعباً جداً، ولولا صلابة رئيسة الوزراء ماي، لانهارت، كما يحدث لبعض رؤساء الدول النامية، وممثليها. لكنها قاومت ونجحت في النجاة من تصويت حجب الثقة عنها، وهي الآن بصدد إعادة صياغة بعض بنود الاتفاق، والرجوع إلى بروكسل لإعادة التفاوض عليها -إن سمحوا لها به-، في محاولة لتمرير الاتفاق، قبل أنْ تعود إلى مجلس العموم المتربص بها.

وأيّاً ما كانت النتائج، فلا أظنُّ -بعد انكشاف ماي أمام الرأي العام العالمي- أن يخضع الاتحاد الأوروبي فيقدِّمَ تنازلات جوهرية تسمح لها بتمرير الاتفاق.

العالم جميعه في انتظار نتائج مفاوضات الأسابيع القادمة التي تُصرُّ بروكسل على أنَّها ستكون شكلية، مثل تمديد فترة السماح قبل الخروج النهائي. وخروجُ بريطانيا دون اتفاق سيمثل السيناريو الأسوأ في حقِّها، وسيؤدي إلى تخبُّطِها اقتصادياً، أكثر مما هو متوقع، فلا اتفاق تبادل تجاري بينها وبقية دول الاتحاد الأوروبي، ولا اتحاد جمركي مع بقية دول المجموعة الأوروبية، ولا اتفاقات خاصة بحرية انتقال العمالة ورؤوس الأموال.

وتحقُّق ذلك يعني أنَّ على بريطانيا أنْ تبدأ من جديد في إبرام اتفاقيات تجارية جديدة، خاصة مع الولايات المتحدة، وبقية شركائها التجاريين الرئيسيين، وإلَّا فإنَّها ستغامر باقتصادها ونموه، وانخفاض الاستثمارات الأجنبية فيها، وغير ذلك مِمَّا لا تُحمد عقباه. ولم يكن أحد يتصور أنْ تجدَ بريطانيا نفسها في ذلك الموقف الحرج الذي أصابها، وجاء نتيجةً لـ«نعرة بريطانيا العظمى» التي دفعتها إلى تأييد الخروج من الاتحاد الأوروبي؛ مُعتقدةً أنَّ رهنَ بعض القرارات السيادية في بروكسل سيضعفها، متناسية أنَّ العالم -وفي ظلَّ تيَّار العولمة- قد رهن معظم، إنْ لم يكن جميع قراراته لأدوات العولمة الاقتصادية بمختلف أشكالها.

وختاماً، فهنالك دورس جمَّة تُستخلصُ من هذه التجربة البريطانية، علينا التعلم منها، وعدم التسرع في اتخاذ بعض القرارات بالعزلة، إنْ لم تكن ذات مصلحة اقتصادية جوهرية، مع ملاحظة اختلاف الحالات في المسرح الدولي.

* المستشار الاقتصادي والنفطي الدولي

sabbanms@