جاءت دعوة الأمين العام لمنظمة الأوبك لي لإلقاء محاضرة في مقر الأمانة في فينا الأسبوع الماضي، بمثابة فرصة لمناقشة التحديات التي تواجهها الدول المصدرة للنفط، والحاجة الى تبني استراتيجية واضحة للتعامل معها. وأحاول هنا تلخيص أهم ما جاء في المحاضرة والتي حضرها بجانب الأمين العام مسؤولو دول منظمة أوبك وبعض ممثلي الدول من خارج المنظمة، إضافة الى خبراء دوليين تمت دعوتهم لإلقاء أوراق علمية في هذا المجال.

ويمكن تلخيص أهم النقاط التي جاءت في الورقة المقدمة من خلال النقاط التالية:

أولا: ناقشت في البداية طبيعة التغيرات التي لحقت بسوق النفط العالمية والتي أدت الى التغيرات الهيكلية في كل من العرض والطلب العالميين على النفط. واوضحت ان العالم أصبح يطلب كميات اقل عند كل مستوى من الأسعار، نتيجة للعديد من العوامل منها الإحلال الكبير لمصادر الطاقة الأخرى محل النفط وبالذات في قطاع النقل

والذي يعد الأكثر استهلاكا للنفط في العالم حيث انه يمثل أكثر من 60% من مجمل الاستهلاك العالمي من هذا المصدر وان الاختراق التقني في مجال السيارات الكهربائية والتي كنّا نضحك منها وعليها أصبحت واقعا وليس ادل على ذلك من أهداف شركات السيارات بإحلال هذه المركبات محل المركبات العادية. اضافة الى إجراءات ترشيد الاستهلاك ومعايير كفاءة استخدام الطاقة.

وفي جانب العرض فان الاختراق التقني قد ساهم في تخفيض تكاليف الانتاج بشكل كبير وليس ادل على ذلك من النقط الصخري الذي استبعدنا منافسته للنفط التقليدي وذكرنا أن انخفاض السعر الى اقل من 80$للبرميل سيخرجه من الاسواق وهو ما لم يحدث حتى عند سعر اقل من 50$للبرميل. وان هذه التقنيات الحديثة المتلاحقة ستنتشر عالميا وستتيح مزيدا من العرض العالمي من النفط سوآءا التقليدي منه أم غير التقليدي. إضافة الى ذلك فإن الاحتياطيات العالمية من النفط قد تجاوزت 2 تريليون برميل، وتعطل العمل تبعا لذلك بنظرية النضوب الطبيعي للنفط والتي كان ولازال البعض متمسكا بها منذ عشرات السنين.

وأوضحت ان ما يجب ان يشغل بال أوبك هو احتمالات انتهاء عصر النفط كما ذكر من زمن معالي الشيخ احمد زكي يماني – شافاه الله- ولَم نلق له اهتماما. والاختلاف الان بين مراكز الدراسات ليس هل سينتهي عصر النفط، بل متى يحدث ذلك وما إذا سيكون في 2030 أو بعد ذلك 2040. وهو ما يجب ان نستعد له بتنويع اقتصادات الدول المعتمدة على الإيرادات النفطية. وبينما نتمنى أن تطول الفترة الا انه لابد من ” التخطيط للأسوأ وتوقع الأفضل”.

ثانيا: تطرقت فيما بعد لتوازن السوق النفطية والتي أصبحت الشغل الشاغل للأوبك والدول المنتجة الاخرى، منذ العام الماضي، وذكرت اننا بالرغم من الكثير من الجهود في مجال تخفيض الإنتاج لتقليص الفائض العالمي من المعروض النفطي، الا اننا لا زلنا بعيدون عن التوازن. وان كلمة ” يلوح في الأفق ” مطاطية لا تعني شيئا. وليس ادل على ذلك من سخونة الأحداث الجيوسياسية مثل الأزمة الكردية والتأزم الامريكي الإيراني الا ان الأسعار لم تصل حتى الى 60$للبرميل.

وبينت الورقة ان على المنظمة ولجنة الالتزام باتفاق أوبك الا تبالغ في التأكيد على أن نسب الالتزام قد تجاوزت100%، فالكل يعرف ان النسبة قد لا تتجاوز ال 80% وبالنسبة للدول من خارج أوبك فهي أقل بكثير من ذلك. وهي مشكلة تاريخية شهدتها الاوبك منذ السبعينات ميلادية.

وأوضحت استغرابي مما أعلن في الكويت الأسبوع الماضي بأنه قد لا تكون هنالك حاجة لتمديد اتفاق أوبك بعد مارس 2018 نتيجة لارتفاع أسعار النفط واقتراب السوق من التوازن، وهو نوع من الغشاوة الذي تمر بها دول اتفاق أوبك، متناسين ان الارتفاع أسعار النفط يعكس بصورة أساسية سخونة العوامل الجيوسياسية. ولاحظنا استدراك الامين عام لأوبك ذلك في “مؤتمر لندن للمال والنفط”، بان الدول الأعضاء في أوبك تسعى لتمديد الاتفاق الى نهاية العام القادم 2018. وتمنيت لو يترك امر التصريحات الرسمية لاتفاق أوبك له ويصبح المتحدث الرسمي له.

وطالبت المنظمة بالهدوء في تصريحاتها غير الضرورية، لان الكثيرين قد بدأوا يفقدون الثقة فيما تقوله الأوبك.

ثالثا: من ثم تطرقت الورقة الى اتفاق باريس للمناخ وذكرت انه قد مات سريريا بانسحاب الولايات المتحدة الامريكية وهي الكبرى من حيث الانبعاثات أو المساهمات المالية، وحتى لو استمرت الاجتماعات الدورية ومؤتمرات الأطراف السنوية فستكون بدون معنى أو محتوى. وتدريجيا ستنسحب العديد من الدول التي تخشى فقدان تنافسيتها الاقتصادية مع الولايات المتحدة وهي الطرف المنسحب من الاتفاق. اما لو اعيد التفاوض على اتفاق باريس، فسيستمر دون توصل الى نتائج نهائية ولفترة طويلة من الزمن وهذا ما تخشاه الدول الأوروبية وترفضه.

وطالبت دولنا النفطية ان تبقي على تشجيع وتطوير مصادر الطاقة البديلة محليا لأنها تفيد تنويع اقتصادنا، وتساهم في تخفيض مستويات التلوث الضار محليا.