Breaking News

الاقتصاد السعودي .. هل يتجاوز تحديات الأزمة العالمية بسلام؟

لئن طالت الأزمة المالية العالمية وما تبعها من كساد اقتصادي جميع دول العالم دون استثناء، فإنها بالنسبة للسعودية تعني الكثير والكثير جدا، فنحن في مرحلة حاسمة في المسار التنموي غلب عليها كثير من الاقتناع أنه لا بديل من تطوير جميع القطاعات الاقتصادية، ولا بديل من إيجاد التنويع الحقيقي للاقتصاد السعودي الذي يقلل من الاعتماد المطلق على ما نصدره للعالم من خامات البترول, وساعدنا على ذلك تدفق العائدات البترولية وضخامتها نتيجة الارتفاعات الكبيرة التي شهدتها أسعار البترول العالمية وزيادة إنتاجها البترولي إلى مستويات اقتربت من أعلى مستوى وصلت إليه في أوائل الثمانينيات من القرن الماضي، قبل أن تشهد هذه العائدات تراجعا كبيرا، نتيجة التدهور الذي لحق بأسعار البترول, وأيضا انخفاض معدلات إنتاجنا منه. ولم يكن مستغربا نتيجة لكل ذلك بدء تنفيذ عديد من المشاريع العملاقة في مختلف القطاعات، مع تركيزنا على تلك القطاعات التي تعمل على زيادة القيمة المضافة إلى مصادرنا المختلفة الطبيعية منها أو البشرية.

إن تجاوز اقتصادنا السعودي آثار الأزمة التي يعيشها الاقتصاد العالمي, لن يكون بالتراخي والتعامل معها وكأنها أزمة عابرة ذات تأثير محدود، فهي قد أصابت عديدا من قطاعاتنا الاقتصادية بنوع من الشلل المؤقت، وبعضنا لا يزال يعاني صدمة أنها قد وصلت إلى أبوابنا، وكنا نعتقد ونعلن أننا لن نتأثر بها أو أن تأثيراتها علينا طفيفة، وهو ما زاد من وقع الصدمة.

وإن كان للتراخي الذي كنا نعايشه في الفترة الماضية ما يبرره في ظل الاعتقاد الخاطئ الذي كان يسود جميع الأوساط أن الأسعار المرتفعة جدا ستظل تحكم أسواق البترول العالمي عقودا مقبلة، وبالتالي فلا خوف علينا إن أجلنا تبني الخطوات الضرورية لإعادة هيكلة الاقتصاد السعودي ليقوم على المعرفة كأساس لتنافسنا مع بقية الدول؛ فإن الأزمة العالمية وما قد تحمله من مفاجآت اقتصادية مقبلة تحتم علينا كسعوديين بجميع فئاتنا من حكومة وقطاع خاص ومجتمع مدني وأفراد، أن نراجع المسار الاقتصادي الذي نحن عليه, في محاولة للتحسين من كفاءته ومناعته ليكون أكثر قدرة على الإبحار في خضم الأمواج العالمية المتلاطمة التي يتسم بها الاقتصاد العالمي اليوم.

ولعل ما يعطينا نوعا من الثقة بقدرتنا على تجاوز آثار الأزمة العالمية بأقل التكاليف، هو سيل التقارير الاقتصادية التي صدرت عن المؤسسات الدولية, مثل: صندوق النقد الدولي, والبنك الدولي, والمؤسسات المتخصصة، التي تعطي جميعها السعودية وضعا أفضل من عديد من الدول في قدرتها على التعامل مع الأزمة، مرجعة ذلك لعديد من الأسباب, منها:

أولا: حجم الاحتياطيات النقدية التي تمتلكها الدولة والمتراكمة عبر السنوات القليلة الماضية، هذه الاحتياطيات الضخمة، التي تقدر بنحو 600 مليار دولار، لا شك أنها تمثل “صمام أمان” يعطي الدولة مرونة أفضل في التعامل مع أية مفاجآت مقبلة بأسرع وقت. وبغض النظر عن طبيعة استثمار هذه الاحتياطيات النقدية في الفترة الماضية، وما إذا كانت البديل الأفضل، إلا أنها وبكل تأكيد تمتعت بكونها استثمارا قليل المخاطر، أسهم في عدم المساس بها إلا بشكل طفيف. ومن البديهي أن يكون هنالك إجماع دولي على أن هذه الاحتياطيات الضخمة هي المفتاح الأساس الذي يمنح المملكة قدرا كبيرا من المقاومة Resilience أمام تيار الاضطرابات المالية العالمية.

ثانيا: إن عديدا من المشاريع الاقتصادية العملاقة في السعودية قد تجاوزت مرحلة التأسيس ووصلت إلى مراحل متقدمة من التنفيذ لا عودة فيها، وبالتالي سيتم المضي في استكمالها حتى لو كان ذلك بوتيرة بطيئة، مستفيدة من أمرين:

أ ـ الانخفاض الذي طرأ على أسعار السلع الناشئ بدرجة رئيسة عن انخفاض الطلب العالمي عليها نتيجة الكساد الذي أصاب الاقتصاد العالمي، الأمر الذي يسهم في تخفيض تكلفة استكمال إنشاء هذه المشاريع، ويعوض نسبة من الانخفاض الذي طرأ على أسعار منتجات بعض هذه المشاريع المخصصة أصلاً للتصدير.

ب ـ إن جزءا كبيرا من إنتاج هذه المشاريع موجه إلى السوق المحلية، مثل: مشاريع الغاز، وتحلية المياه والكهرباء، وغيرهما.

ثالثا: إن الإصلاحات التي قامت بها السعودية خلال الفترة الماضية, جعلتها بيئة اقتصادية أفضل ووفرت لها مناخا استثماريا جيدا، وإن كان لا يزال أمامها كثير لتحسين كفاءة الاقتصاد السعودي، وبالذات فيما يتعلق بالأجهزة الحكومية وتعاملها مع متطلبات مشاريع التنمية الاقتصادية في ظل تفاقم مساوئ البيروقراطية كصفة ملازمة لأدائها.

إن الظروف الجيدة المتاحة للمملكة والتي تمت مناقشتها في الجزء الأول من المقال، تعطيها كل المزايا في الخروج بأقل التكاليف من تأثيرات الأزمة التي يعيشها الاقتصاد العالمي، بافتراض وحيد يتمثل في أننا نحسن استغلال هذه الظروف والتعامل معها بفعالية وبالقليل جدا من البيروقراطية المعطلة والقاتلة في بعض الأحيان. ويتمثل المقصود بحسن الاستغلال في اتباع الحكومة السعودية عديداً من الخطوات، والتي نلخص أهمها من خلال النقاط الرئيسة التالية:

أولاً : ترتيب أولويات الإنفاق الحكومي

إن هذا الاحتياطي النقدي الضخم الذي نمتلكه مرشح للتدهور بوتيرة متسارعة لو لم يتم ترتيب أولويات الإنفاق المحلي بالتركيز على الإنفاق الاستثماري الإنتاجي والابتعاد عن الهدر في الإنفاق في مجالات غير إنتاجية لا يمكن تبريرها من وجهة نظر اقتصادية أو اجتماعية. ولا يجب أن يؤخذ ذلك أنه دعوة للتقشف، وطلب لتأجيل الإنفاق على المشاريع الإنتاجية المعتمدة أو محاولة إعادة جدولتها، فنحن في مرحلة تتطلب مزيدا من الإنفاق الحكومي لتحريك الطلب المحلي. كما أن التخوفات السابقة من الآثار السلبية لمزيد من الإنفاق الحكومي على معدلات التضخم في المملكة لم تعد ذريعة للتردد في زيادة هذا الإنفاق.

ولقد تعهدت المملكة دوليا بالتوسع في الإنفاق الحكومي المحلي بما يزيد على 400 مليار دولار خلال السنوات الخمس المقبلة ابتداء من العام الحالي 2009، حينما أعلن ذلك خادم الحرمين الشريفين في قمة دول العشرين التي عقدت في واشنطن في تشرين الثاني (نوفمبر) من العام الماضي 2008. هذا الإعلان مثل وقتها ما اعتبر أنه مساهمة من المملكة في جهود إنقاذ الاقتصاد العالمي بتحفيز الطلب السعودي على السلع والخدمات العالمية عن طريق زيادة الإنفاق الحكومي.

إن الانتظام في سداد المستحقات للمشاريع الحكومية وعدم إطالة أمد المشاريع المرغوب في مراجعتها إلى ما لا نهاية، وعدم التحفظ في الإقدام على تبني الخطوات العملية لاعتماد تنفيذ المشاريع تحت طائلة من التبريرات غير المقبولة، كلها تساعد في إعطاء الدور القيادي للحكومة في تدعيم نمو الاقتصاد السعودي ضمن الإنفاق الكلي وتحفيزه للخروج بسلام من الأزمة التي يواجهها.

ثانيا: التدخل لدعم استمرارية المشاريع التنموية

إن على الحكومة أن تكون جاهزة للتدخل في سد الثغرات التمويلية التي تظهر نتيجة لانسحاب شريك أجنبي، أو تردد الممولين الرئيسيين للمشاريع التنموية الاستراتيجية. وهو ما حدث بالفعل لعدد منها والتي قاد القطاع الخاص السعودي تحالفاتها في وقت لم يكن التمويل أو إيجاد الشريك الأجنبي مشكلة تواجه قيام هذه المشاريع. ومنذ بداية الأزمة العالمية وظاهرة توقف أو مراجعة عديد من المشاريع المعتمدة في ازدياد ليس على مستوى المملكة وإنما في عديد من الدول.. فانحسار الطلب العالمي على مختلف السلع والخدمات وما أدى إليه من تدهور كبير في الأسعار العالمية لها أسهم في ضرورة إعادة التقييم لمختلف المشاريع التي بنت تقديراتها على الأسعار السابقة وحفزت دخول المستثمرين شركاء فيها. كما أسهم هذا الوضع الجديد في الانسحاب الكامل لبعض الشركاء الأجانب لمشاريع التزموا بالدخول فيها، والأمثلة عديدة في هذا المجال. كما مثلت صعوبة الحصول على قروض وتوفير التمويل اللازم من البنوك المحلية والأجنبية عاملا إضافيا – وقد يكون مستقلا – في عدم الإقدام على تنفيذ هذا المشروع أو ذاك.

في ظل الظروف العادية، وفي ظل الفلسفة التي تبنتها الحكومة السعودية بترك المجال للقطاع الخاص السعودي للقيام بإنشاء مختلف المشاريع، على أن يقتصر دورها على تهيئة الظروف الاستثمارية الملائمة لهذه المشاريع، فإنها قد لا تتدخل على الإطلاق طالما هذه هي فلسفتها – إضافة إلى نهجها تخصيص ما تمتلكه من مشاريع قائمة -، لمعرفتها أن المشروع المتعثر سيجد البديل التمويلي أو الشريك الاستراتيجي في ظل جدواه الاقتصادية.

لكن الظروف الحالية غير عادية ويمكن اعتبارها استثنائية جدا، تقتضي التدخل المنظم لضمان استمرارية عديد من هذه المشاريع وبالذات تلك التي تحمل طابعا استراتيجيا يتمثل في مساهمتها في تطوير القطاعات الاقتصادية غير النفطية أو تلك التي تسهم في إحداث التنويع اللازم للاقتصاد السعودي ليقلل تدريجيا من اعتماده المطلق على النفط الخام كمصدر رئيس للدخل.

وستجد الحكومة السعودية صعوبة كبرى في التطرق لهذه المسألة سواء من حيث نوعيتها أو من حيث أحجام التمويل المطلوب. إلا أن عليها التعامل معها كضرورة ملحة، إذا ما أرادت أن تسير عجلة الاقتصاد السعودي بانتظام دون توقف أو تراجع. آخذة في ترتيبها لأولويات الإنقاذ بين هذه المشاريع العوامل الرئيسة التالية:

1- أهمية المشروع الاستراتيجية. 2 – حجم العمالة المفترض تشغيلها في هذا المشروع باكتماله. 3 – جدوى المشروع الاقتصادية بتحسن الظروف الاقتصادية محليا وعالميا. 4 – حجم القيمة المضافة المترتبة على قيام المشروع من خلال استغلال الموارد الاقتصادية المتاحة.

وعلى الحكومة السعودية أن ترسل إشارات على أنها ستقوم بذلك لتحدث نوعا من الاطمئنان للاقتصاد والمستثمرين المحليين، في الوقت الذي توضح فيه استعدادها لتخصيص ملكيتها في هذه المشاريع متى ما تحسنت ظروف الاقتصاد المحلي والعالمي.

ثالثا: العمل على ضمان توفر السيولة الكافية في الاقتصاد

تستطيع الحكومة أن تسهم في زرع الثقة بالجهاز المصرفي وتوفير الضمانات اللازمة لتجاوز أي خلل قد يصيب جزءاً منه واستخدام مختلف السياسات المالية والنقدية لضخ مزيد من السيولة متى ما لزم الأمر. إضافة إلى التأثير في أسعار الخصم للبنوك المحلية لزيادة قدرتها على الإقراض ولتحريك عجلة التسهيلات الائتمانية، فيما بين البنوك وبينها وبين قطاع المؤسسات والأفراد الراغبين في الاقتراض.

وفي الختام، فإننا نرى أن التحديات التي يواجهها الاقتصاد السعودي كبيرة وعديدة، إلا أن الظروف الأفضل التي تعيشها المملكة تمكنها من تجاوز هذه التحديات بأقل التكاليف وتضمن استمرارية لمسيرة النمو الاقتصادي الإيجابي الذي حققه الاقتصاد السعودي، متى ما أحسن تطويع هذه الظروف الإيجابية لتحقيق ذلك.

 

 

 

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

%d مدونون معجبون بهذه: