Breaking News

اضطرابات العولمة… وانعكاساتها على الاقتصاد الخليجي

تمر العولمة الاقتصادية بصعوبات عديدة ومتتالية تثبت خلالها فشلها – حتى الآن – في تحقيق ما كان مؤملاً منها، وخاصة للدول النامية. ولم يكن أكثر الاقتصاديين تشاؤماً يتوقع في التسعينات من القرن الميلادي الماضي أن يبدأ القرن الحالي بهذه السلسلة من الصعوبات التي أشبه ما تكون بنكسات ضربتْ في عمق مفهوم العولمة، وحملت العديد على التشكيك في إمكانيات التوسع في الانفتاح الاقتصادي كما هو مأمول. وبدأت العديد من الدول تراجع جدوى أساسياتها الانفتاحية، بما في ذلك دول كبرى مثل الولايات المتحدة وأوروبا، ومن باب أولى الدول النامية.
وأدرك المجتمع الاقتصادي الدولي ولا يزال أهمية الانفتاح الاقتصادي بين الدول، في إطار ما يسمى بالعولمة الاقتصادية، وهو على قناعة تامة بإمكانية تحقيقه، خاصة أنه يؤدي الى تخصيص أفضل للموارد الاقتصادية العالمية.. غير أنه في الوقت نفسه يستغرب الطريقة التي تُدار بها هذه العولمة الاقتصادية في ظل غياب القيادة الفعَّالة لدفة قاربها أو تعددها؛ بسبب تغليب العديد من الدول المؤثرة في الساحة الدولية مصالحها الاقتصادية العاجلة على الآجلة؛ إذ هي غير عابئة بما ستحققه من مصالح ومكاسب اقتصادية أكبر في الأمدين المتوسط والطويل؛ إذا ما أتاحت الفرصة لاتفاق يكون أكثر عدالة وانضمت للإجماع الدولي.
والاقتصاد الخليجي جزء من المنظومة الاقتصادية الدولية يؤثر ويتأثر بما يتم لتحقيق العولمة الاقتصادية. قد حسم أمر انضمامه لهذه المنظومة، منذ زمن مثله مثل غيره من اقتصادات الدول النامية التي تعلم أنها لا يمكن أن تعيش منعزلة اقتصاديًا عن بقية دول العالم.. في الوقت الذي مازال هذا الاقتصاد (الخليجي) يعتمد على تصدير سلعة رئيسية وحيدة، وهي البترول الخام، مع مواصلته العمل – وببطء شديد – على تحقيق التنويع الاقتصادي اللازم للتقليل من اعتماده على هذا المصدر الوحيد، محاولاً تعزيز مراكزه التسويقية عالميًا – سواء للمنتجات البترولية أو البتروكيميائية – والمنافسة على استقطاب أحجام متزايدة من الاستثمارات الأجنبية.
* متغيرات العولمة الاقتصادية:
قبل البدء بمناقشة بعض الصعوبات التي تعترض طريق العولمة الاقتصادية، يتحتم علينا استعراض عدد من المتغيرات التي طرأت على الساحة الدولية مكونة واقعًا اقتصاديًا مغايرًا لما كان عليه في أواخر القرن الميلادي الماضي، ويمكن تلخيص أهمها بالنقاط التالية:
أولاً: الظهور التدريجي لدول مثل الصين والهند كقوى اقتصادية كبرى، تحقق معدلات نمو اقتصادي مرتفعة ومنتظمة، وتحقق فوائض غير مسبوقة في ميزانها التجاري، وتؤثر بشكل كبير في معدلات الطلب العالمي على السلع الأولية، بمافي ذلك مصادر الطاقة كمحرك أساسي لنموها الاقتصادي المرتفع. كما شرعت دول مثل الصين في فك عزلتها الاقتصادية الدولية، فأخذت في إبرام الاتفاق تلو الآخر مع العديد من الشركاء الدوليين في مختلف القارات بحثًا عن مصادر مضمونة لاحتياجاتها من السلع الأولية من جهة، وتوسيعًا لدائرة الأسواق العالمية للسلع والخدمات التي تقوم بتصديرها من جهة أخرى. و بتحرك التنين الصيني والفيل الهندي بدأت الساحة الاقتصادية الدولية تشعر بقوة وقع أقدامهما وهما لا يزالان في مرحلة التسخين بعد.

ثانياً: تعزيز سيطرة القطب الدولي الواحد لدولة واحدة، وإحكام هذه السيطرة سياسيًا وعسكريًا، الأمر الذي أعطى إدارتها الحالية نوعًا من الغرور في تعاملها الدولي من منطلق أن كل شيء في متناولها، وأن بقية دول العالم تحتاجها، في حين لا تحتاج هي إلى أحد، وأدى بها ذلك إلى تظاهرها بعدم المبالاة بمختلف الاتفاقات الدولية، سواءً المبرمة منها أو التي في طريقها للتبني من قِبَل المجتمع الدولي، بل وأكثر من ذلك انسحابها أو عدم مصادقتها على بعض هذه الاتفاقيات المهمَّة، كما حدث لبروتوكول «كيوتو» الذي يمثل اتفاقية اقتصادية دولية قبل أن تكون بيئية.
عدم المبالاة هذا أدى إلى عرقلة التوصل إلى الإجماع الدولي لكثير من المفاوضات التي تجرى للوصول إلى اتفاقيات تعزز من العولمة الاقتصادية وهو ما نناقشه لاحقاً بشيء من التفصيل.
ثالثًا: تعميم وانتشار استخدام تقنية المعلومات عالميًا وتسارع وتيرة تحقيق التكامل المعلوماتي والتقني بين الدول. ومكَّن هذا الإنجاز من سهولة فصل أمكنة إنتاج الخدمة عن محطات الاستفادة منها. فتم نقل تلك الأمكنة من الدول مرتفعة الأجور، مثل الولايات المتحدة وأوروبا إلى دول منخفضة الأجور، مثل الهند والفلبين وغيرهما، وانتشر ذلك على نطاق واسع من حيث الحجم أو الموقع الجغرافي وهو ما يعرف بـ Outsourcing وأصبحت الهند – على سبيل المثال – تصدر خدمة عمالتها دون أن تغادر هذه العمالة موطنها، وحققت بذلك مساهمة كبيرة لناتجها المحلي الإجمالي مع تقليص المعدلات المرتفعة للبطالة فيها.
رابعاً: تنامي دور مؤسسات المجتمع المدني في العديد من الدول، بما في ذلك نقابات القطاعات المختلفة، فأصبحت تشكل قوى ضغط كبرى محليًا وإقليميًا ودوليًا، لا يمكن لحكومات دولها أن تتجاهلها ، بل تعدت دورها هذا لتصبح قوى دولية تؤثر في القرار الدولي. فيطلب الكثير منها أن يمنح صفة المراقب في العديد من المفاوضات الدولية، سواءً تلك التي تعقد تحت مظلة المجلس الاقتصادي الاجتماعي التابع للأمم المتحدة أو غيرها من اجتماعات الأمم المتحدة، بما في ذلك لجان التنمية المستدامة. وغدت مشاركة العديد منها كمراقب لا تقتصر فقط على حضور الاجتماعات للاستماع والمتابعة بل تعدت هذا الدور إلى مشاركتها في صياغة العديد من الاقتراحات والحلول البديلة التي يمكن طرحها للتفاوض حولها من منطلق حماية المواطن المستهلك والعمل على المساواة وتحقيق توزيع الأعباء بين فئات المجتمع الواحد، من جهة وبين الدول من جهة أخرى. أمَّا ممثلو نقابات القطاعات المختلفة فأصبحوا عوامل ضغط في هذه المحافل الدولية لا تترك حكومات دولها خطوة واحدة في المفاوضات الدولية دون أن تنسق معها بالكامل… وهم في الغالب أكثر استعدادًا واستيعابًا لمجريات المفاوضات من الوفود الرسمية الممثلة لدولها.
خامساً: زيادة وعي الدول النامية بأهمية متابعة ما يجري في الساحة الاقتصادية الدولية، ليس لدرء مخاطر ما يتخذ من قرارات دولية، وآثارها السلبية المحتملة عليها فحسب، بل لضرورة التأثير في هذه القرارات لتحولها من مخاطر محتملة على اقتصادها إلى مكاسب يمكن تحقيقها نتيجة مشاركتها الفعالة من اليوم الأول في مفاوضات مختلف الموضوعات قبل إقرارها، في هيئة قواعد أو قرارات دولية ملزمة، قانونيًا كان إلزامها أم أدبيًا.
وقد تجاوزت الدول النامية الكبرى مثل كوريا الجنوبية والصين والبرازيل والهند وجنوب أفريقيا وغيرها دور درء المخاطر عن اقتصادها – بمشاركتها في مفاوضات العولمة الاقتصادية – إلى النوع الثاني من المشاركة، وهو قدرتها على التأثير في مسودات القرارات الدولية في هذا المجال، بل تعدت ذلك إلى البدء بتكوين جبهات وتكتلات تفاوضية أصبح لها وزنها، وبدأت تُقارعُ الدول المتقدمة رافضةً ما يتعارض ومصالحها. وهنالك أمثلة عديدة – نأتي على ذكرها لاحقًا – توضح الثقل الدولي للعديد من الدول النامية في الاجتماعات والمفاوضات الدولية، الذي بسببه أصبحت الدول المتقدمة تحسب لها ألف حساب.
هذه الطفرة في مشاركة الدول النامية لا تمثل إلا عددًا قليلاً جدًا من دولها، فما زالت غالبيتها إما غائبة عن المشاركة تمامًا، أو هي وفود تغدو في الصباح وتعود في المساء حاملة أسفارها لا يتعدى دورها نقل ما يحدث في هيئة تقارير تقدم لدولها في نهاية المفاوضات الدولية، بل حتى هذا الدور قد انخفضت أهميته بشكل كبير في ظل التطور الهائل لوسائل الاتصال الإلكتروني الذي يمكِّن من متابعة هذه الاجتماعات بالفيديو من أي مكان في العالم دون الحاجة إلى تحمل مشقة السفر إلى مكان انعقاد هذه الاجتماعات.

في الوقت الذي كانت تسير العولمة الاقتصادية بشكل طبيعي في أواخر القرن الماضي وتنبئ بأن العالم متجه نحو إيجاد قرية اقتصادية واحدة يتم من خلالها تحرير التجارة والاستثمار وإطلاق حرية انتقال رؤوس الأموال والعمالة دون عراقيل وقيود كمية أو نوعية عليها، نجد أن هنالك العديد من المتغيرات التي طرأت على الساحة الدولية –تمت مناقشتها في المقال السابق-، قد غيرت من المعادلة الدولية القائمة، وأدت إلى صعوبة تحقيق الإجماع الدولي نحو استكمال مسيرة العولمة الاقتصادية، وأضفت الكثير من الشكوك حول إمكانية التقدم بقاطرة هذه العولمة مسافة أكثر مما هي عليه حاليًا، بل وزرعت الخوف من التراجع عن النقطة التي وصلت إليها.
* العقبات التي تواجه العولمة الاقتصادية:
يمكن تلخيص أهم العقبات التي تواجه تحقيق عولمة اقتصادية بالتالي:
أولاً: الفشل القائم في مفاوضات جولة الدوحة التابعة لمنظمة التجارة العالمية كان الأمل معقودًا بتحقيق الدول الأطراف في منظمة التجارة العالمية لاتفاقية إطارية مبدئية شاملة لعناصر اتفاق حول العديد من الموضوعات المستهدفة، تؤدي إلى تحقيق مزيد من تحرير التجارة وتسهيلات التعامل حولها، سواءً في مجال السلع الزراعية والصناعية والاستثمار والمنافسة والبيئة والتعاملات الحكومية وغيرها من المجالات التي اتفق عليها في المؤتمر الوزاري لمنظمة التجارة العالمية الذي عقد في مدينة الدوحة بدولة قطر عام (2006). وكان التصور السائد هو حدوث اتفاق حول جولة الدوحة منذ عام (2005)، إلا أن العامين الماضيين لم يسجلا أيَّ تقدم يذكر في هذه المفاوضات الدولية، بل عززا الانقسام الواضح بين المنتجين الزراعيين، من خلال المواجهة بين جبهتي الدول المتقدمة والدول النامية. وبالتالي صار موضوع تحرير التجارة في القطاع الزراعي بمثابة مفتاح أيِّ نجاح ممكن لجولة الدوحة.
ولسنا هنا بصدد مناقشة تفاصيل مفاوضات جولة الدوحة، بل هدفنا تسليط الضوء على أن استمرار فشل تحقيق تقدم في هذا العام (2007) إنما يجسد الخلل الذي أصاب قاطرة العولمة الاقتصادية ؛ فلا زالت عقلية العديد من الدول المتقدمة يسيطر عليها نمط التفكير التقليدي وهو رغبتها وقدرتها على تحقيق كل مصالحها الاقتصادية، وحصولها على أسواق أكبر من خلال تحرير أسواق الدول النامية في مختلف القطاعات في الوقت الذي تُبقي فيه إعانات قطاعها الزراعي ومزارعيها دون مساس بهما، وإن أجرت تعديلاً عليها فلابد وأن يكون طفيفًا بحيث لا يُغير من المواقع التنافسية لها في أسواق السلع الزراعية العالمية.
في الماضي كانت هذه الدول المتقدمة نفسها تستطيع التوصل إلى أيِّ اتفاق دولي تريده دون أية مقاومة تُذكر من الدول النامية، وذلك من خلال اتِّباع مختلف السياسات بما في ذلك سياسة «العصا والجزرة» التي يندرج تحتها التلويح بزيادة المساعدات أو قطعها، وحماية الحكومات تجاه تيارات المعارضة الداخلية أو دعم هذه المعارضة، أو محاولة التفريق بين الدول النامية نفسها لمنعها من تكوين جبهة فيما بينها تعيق تحقيق اتفاق تريده الدول المتقدمة. لكن مع زيادة عدد الدول النامية التي تخرجت في مدرسة النسيان، وأصبحت تعاني عمليًا من مرارة بصمها على اتفاقات دولية سابقة، ازداد وعي بعضها وتحسنت القدرة التفاوضية لديها لتشكل شوكة يصعب كسرها.. وأصبحت أداة لإعادة بعض التوازن لمعادلة المساواة فيما يتحقق من مكاسب للدول من جراء هذه العولمة الاقتصادية.. ولم نعد نستغرب خَطْبَ بعض الدول المتقدمة ودَّ دول مثل البرازيل والهند والأرجنتين، وهي الدول الرئيسية في التحالف القائم بين الدول النامية والذي يُعرف بـ«مجموعة العشرين». وليس أدل على ذلك من الاجتماع الذي عُقد مع بداية يناير من هذا العام في نيويورك محاولةً أمريكية أوروبية لإحياء مفاوضات جولة الدوحة، وماسيتبعها من اجتماعات مكثفة خلال الفترة القليلة القادمة. والدول المتقدمة على ثقة تامة بأنه مالم يحدث اختراق حقيقي وإصلاح شامل وعميق لنظام الإعانات في قطاعها الزراعي، فإن جولة الدوحة ستستمر دون حراك، وسيتم تدريجيًا نزع كل الأجهزة المتصلة بها والتي تبقيها على قيد الحياة مع موتها دماغيًا. ولا أعتقد أن الدول النامية الأعضاء في «مجموعة العشرين» مستعدة لتغيير موقفها ولا خوف عليها، خاصة بعد استخدام كل الأساليب والسياسات التقليدية معها لتتراجع عن موقفها، والكرة الآن في ملعب الدول المتقدمة.
ولعلَّه من حسن حظ دولنا الخليجية أن جولة الدوحة لم تتحرك بالشكل الذي خطط له، ليس لأهمية القطاع الزراعي لدينا ولكن لما قد يحدثه غياب معظم دولنا من المشاركة الفعالة في المفاوضات المتعددة الأطراف في إطار منظمة التجارة العالمية من آثار سلبية على اقتصادنا الخليجي في القطاعات الأكثر أهمية بالنسبة له. فبالرغم من انضمام جميع دول الخليج العربية الأعضاء في مجلس التعاون إلى منظمة التجارة العالمية وآخرها السعودية، غير أن بناء الأجهزة والقدرات التفاوضية والوطنية وتأسيس جهاز مستقل يضمن الاستمرارية والتفرغ والمتابعة الدقيقة، وبناء التحالفات اللازمة مع الدول ذات المصالح المتشابهة، والتنسيق الكامل مع بقية دول مجلس التعاون لا يزال قاصرًا، ولا زال الغياب يسجل للعديد من دولنا في إطار مفاوضات المنظمة عدا قيام ممثليها بنقل الوثائق النهائية إلى عواصمهم التي أرسلتهم إلى هذه الاجتماعات، بل لا يزال الحوار – على المستوى المحلي – قائمًا حول طبيعة المكاسب المتحققة من الانضمام لمنظمة التجارة العالمية، بل حتى النقاش حول جدوى هذا الانضمام لا يزال مستمرًا، على الرغم من مرور أكثر من عام على انضمام آخر دول مجلس التعاون للمنظمة وهي السعودية.
هنالك تبعات عديدة لاستمرار فشل إحراز تقدم في مفاوضات جولة الدوحة، لعل أهمها عودة العديد من الدول إلى النهج الذي كان قائمًا قبل تأسيس المنظمة في عام (1995م)، وهو الاتفاقيات التجارية الثنائية، وقد ألمحت إلى ذلك بعض الدول المتقدمة وذلك الإلماح يحمل في طياته تهديدًا، ووسيلة ضغط على الدول النامية للقبول بما تطالب به، وهو بالإبقاء على معظم الإعانات الزراعية وسيلةً لإحراز تقدم في جولة الدوحة.
وتخوف الدول النامية من اتفاقيات التجارة الحرة الثنائية ينطلق من عاملين:
1- أنها انتقائية وليست شاملة وغالبًا ما تتم مع الاقتصادات الأكبر من الدول النامية، وبالتالي ستبقى شريحة كبيرة من الدول النامية خارج نطاق الاتفاقيات الثنائية.
2- أن الدول النامية التي تكون طرفًا في أية اتفاقيات ثنائية تفتقد ميزة قوة التفاوض الجماعي متعدد الأطراف، وبالتالي فقد تكون الطرف الأضعف مقارنة بالطرف الآخر للاتفاقية، إذا ما كان دولة متقدمة أو دولة نامية كبرى.
لذا نلاحظ أن العديد من الاتفاقيات الثنائية القائمة تحمل تنازلات من قبل الدول النامية الأطراف فيها أكثر بكثير مما تحقق لها من مكاسب، وبالتالي يمكن أن يطلق عليه «الاستفراد» الذي تحققه الدول المتقدمة في اتفاقات التجارة الحرة الثنائية لا يجب أن يكون بديلاً لاتفاقيات تُنشأ تحت مظلة منظمة التجارة العالمية. ولذا فمن مصلحة جميع الدول أن تستمر المنظمة في إحراز تقدم نحو إزالة العوائق الحدودية لحرية حركة جميع السلع والخدمات ومختلف عوامل الإنتاج. ومن هذا المنطلق فإن الاجتماعات المكثفة المتوقعة مع بداية العام الحالي (2007م) لإحياء جولة الدوحة لابد أن ينتج عنها تقدم جوهري يصب في مصلحة جميع الدول الأعضاء، وإلا فإنَّها النكسة والضربة الموجعة للعولمة الاقتصادية.

ناقشنا في الجزء الثاني الصعوبات التي تواجه العولمة الاقتصادية، والمتمثلة في الفشل المستمر في إحراز تقدم في مفاوضات الدوحة للتجارة الحرة في إطار منظمة التجارة العالمية. وقد بيَّنا أن استمرار هذا الفشل يمثل نكسة كبرى للعولمة الاقتصادية ؛ لأن بديل اتفاقات التجارة الحرة الثنائية سيكون اتفاقات انتقائية غير شاملة من جهة، وتأتي بنودها في الغالب لصالح الأطراف الأقوى من جهة أخرى. ثمَّ طالبنا بأن تكون دولنا الخليجية أكثر استعدادًا من حيث القدرة التفاوضية والتفرغ والاستمرارية، وتهيئة الأجهزة اللازمة في كل منها، لتُحقِّقَ مشاركة أكثر فعالية إذا ما تم استئناف مفاوضات جولة الدوحة تحت مظلة منظمة التجارة العالمية.
* ثانيًا : الاستقلال الذاتي للطاقة بتخفيض الاعتماد على البترول المستورد:
إن من أساسيات العولمة والانفتاح الاقتصادي تحقيق الاعتماد المتبادل بين دول العالم، وفقًا للمزايا النسبية والتنافسية لكل منها، الأمر الذي يحقق تخصيصًا أفضل لاستخدام الموارد الاقتصادية المتاحة. وقد سادت ثقافة ضرورة العمل على تحقيق الاكتفاء الذاتي لما تستهلكه كل دولة من سلع وخدمات، واستمرت سائدةً لعقود طويلة، غير أنها أثبتت في النهاية فشلها ؛ لارتفاع التكلفة الاقتصادية والاجتماعية لها ؛ مِمَّا يُفترضُ معه صيرورتها جزءًا من الماضي. وما دام الأمر كذلك فإنَّ من المزعج استمرار انتشار التصريحات المنادية بضرورة تحقيق الاستقلال الذاتي للطاقة، ولم تأتِ تلك التصريحات من الدول الصناعية التي يفترض أنها تقود الانفتاح الاقتصادي العالمي، والاعتماد المتبادل بين الدول وتناهض تيار العزلة والانغلاق الاقتصادي. وحينما يتم الحديث عن الاستقلال الذاتي للطاقة من قبل رؤساء هذه الدول الصناعية أو كبار المسؤولين فيها فإن المقصود به بالتحديد هو تخفيض اعتمادها على البترول المستورد، الأمر الذي لابد أن يشكل إزعاجًا كبيرًا للدول المنتجة للبترول وعلى رأسها دولنا الخليجية. ويحسن أن نُشير هنا إلى أنَّ هذه التصريحات ليست جديدة ؛ فقد كانت سائدة في السبعينات من القرن الماضي، مع ارتفاع أسعار البترول في عام (1973 م). وتم إنشاء وكالة الطاقة الدولية ؛ لتحقيق هذا الهدف، فأصبحت تمثل جبهة مواجهة بين المستهلكين الرئيسيين للبترول من العالم الصناعي والمنتجين له، وغالبيتهم من العالم النامي، إلا أن ظهور التعاون التدريجي بين المنتجين والمستهلكين – الذي بدأ بأول حوار بينهما عقد في باريس بفرنسا في أوائل التسعينات من القرن الميلادي الماضي – ساهم في تخفيف حدَّة المواجهة بينهما، وفي تفهُّم كل جانب منهما لوجهة نظر الآخر ؛ مما أدَّى إلى أن تهدأ التصريحات من جانب الدول المستهلكة حول أمن الإمدادات البترولية. وصاحب ذلك تحقيق ما طالبت به دولنا البترولية وقتها، وهو عدم الفصل في المناقشات الدائرة – بين الجانبين – بين موضوع أمن الإمدادات وموضوع أمن الطلب ؛ لأنَّ عدم ضمان استمرار الطلب مستقبلاً يَنتُجُ عنه فقدان حافز زيادة الطاقة الانتاجية البترولية – لدى الدول المنتجة للبترول -، كما يؤدي إلى تغيير ترتيب أولويات الاستثمار لديها ؛ تبعًا للقطاعات الأكثر حاجة إليها محليًّا ودوليًّا. وعلى الرغم من ذلك شهِدَ القرن الميلادي الحالي هجمة سياسية شرسة على البترول – من قبل عدد من الدول المستهلكة – تُنادي بضرورة تقليل الاعتماد على وارداته، بل أصبحت تلك الهجمة أكثر تحديدًا بمناداتها بتقليل الواردات البترولية من منطقة الشرق الأوسط، ثمَّ تحولت تلك المناداة إلى أن تكون شعارًا انتخابيًا في كثير من الدول الصناعية، على مستوى الرئاسة أو الكونجرس والبرلمانات في دول مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. وقد ساعدت الظروف السياسية والعسكرية والاقتصادية السائدة في إذكاء هذا الاتجاه العدائي وليس في إيجاده ؛ فهو لم يزل قائمًا لم تهذبه عوامل التقدم التي طرأت على العولمة مستهدفة إيجاد قرية اقتصادية عالمية واحدة. ويمكن تلخيص بعض هذه العوامل من خلال النقاط التالية:
1- أحداث الحادي عشر من سبتمبر (2001)، وما تبعها من حملة دولية تتزعمها الولايات المتحدة للقضاء على الإرهاب. وهي الحملة التي قادتها إلى مختلف المناطق بما في ذلك مناطق منتجة للبترول، أو تَعْبُرُ من خلالها خطوط أنابيب نقله، فحولتها إلى مناطق ساخنة، وإن لم يؤد ذلك إلى تأثر الإمدادات البترولية العالمية ؛ فقد أبدت الدول المنتجة للبترول استعدادها لسدِّ أي نقص في امداداته إن حدث ؛ ضمانًا لاستقرار سوق البترول العالمية.
2- الارتفاع الذي طرأ على أسعار البترول العالمية نتيجة للعديد من العوامل، مثل : زيادة الطلب على البترول في دول مثل الصين والهند وغيرهما، اختناقات المصافي البترولية نتيجة عدم مواكبة طاقتها الإنتاجية مع هذه الزيادة في الطلب العالمي على البترول، توتر مناطق منتجة للبترول مثل نيجيريا وفنزويلا، إضافة إلى تطورات الملف النووي الإيراني، وغيرها من العوامل المتعلقة بمضاربات الأسواق العالمية، وانخفاض هامش الطاقة الإنتاجية الفائضة لدى الدول المنتجة للبترول.
3- دفع الدول الصناعية لموضوع تغير المناخ العالمي ليكون محور الاتفاقيات البيئية الدولية، والقيام باستخدام اتفاقية التغير المناخي وبرتوكول «كيوتو» للدفع باتجاه تخفيض الاستهلاك العالمي من الوقود الأحفوري، وبشكل أساسي البترول. وهي كمن وجد ضالته لتقوم بجهد عالمي منظم لتحقيق هدفها في تخفيض اعتمادها على البترول المستورد، خاصةً إذا ما عرفنا أن هذه الدول نفسها تعامل الفحم معاملة تفضيلية، على الرغم من كونه باعثًا لوحدات أكثر من ثاني أكسيد الكربون المرجَّح أنه مسبب رئيسي لتغير المناخ العالمي مقارنةً بما يبعثه البترول من غاز الاحتباس الحراري هذا. والهجمة السياسية الشرسة على البترول لم تكن لتؤثر لو لم تصاحبها سياسات محددة تمَّ ويتم تبنيها من قِبل الدول الصناعية لتحقيق هدف تقليل اعتمادها على البترول المستورد، – وعلى وجه الخصوص – من منطقة الشرق الأوسط. والتخوف الناتج عن تلك الهجمة ليس سببه احتمال تأثر الصادرات البترولية لمنطقة دون أخرى ؛ فما لا يتم استيراده من بترول منطقة الشرق الأوسط من قبل بعض المستهلكين، يتم تصديره إلى مناطق استهلاك أخرى ؛ حيث إن سوق البترول العالمية وحدة واحدة، وإنما يرجع سبب ذلك التخوف إلى تأثير السياسات المتبَعَة في كل من العرض والطلب العالميين على البترول. وفي الوقت الذي لا تعارض دولنا البترولية بعض تلك السياسات المتبعة، مثل التوسع في استخدام مصادر الطاقة المتجددة (طاقة الرياح والشمسية وغيرها)، أو اتِّباع إجراءات ترشيد استخدام الطاقة بشكل عام، غير أن لها تحفظات على الإجراءات المفتعلة التي تتبناها الدول الصناعية بقصد التأثير بشكل كبير في الأسعار النسبية لمصادر الطاقة، من خلال زيادة معدلات الضرائب المفروضة على المنتجات البترولية عن مستوياتها الحالية – وهي مستويات مرتفعة جدًا -، مُتزامِنةً مع زيادة حجم معدلات الإعانات المقدمة لمصادر الطاقة الأخرى، بما في ذلك مصادر الطاقة المتجددة ؛ الأمر الذي يؤدي إلى اضمحلال الفارق الكبير في تكاليف إنتاجها واستخدامها مقارنة بتكاليف إنتاج واستخدام البترول. كما أن هذه الضرائب المتصاعدة على المنتجات البترولية تؤدي إلى تبرير إنتاج بترول أكثر تكلفة في هذه الدول الصناعية، إضافة إلى تبرير إنتاج زيت الرمال المرتفع التكاليف وتسييل الفحم وإنتاج الوقود الحيوي. ولم تقتصر هذه السياسات على الدول الصناعية نفسها، بل تعدتها إلى غيرها ؛ حيث استغلت هذه الدول قدراتها التصويتية في المؤسسات المالية الدولية (مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي) لتمرير أجندتها الاقتصادية هذه إلى بقية دول العالم، والدليل على ذلك إصرار البنك الدولي– على سبيل المثال – عند تمويله لمشروعاتٍ في الدول النامية على إعطاء أولوية لمشروعات الطاقة المتجددة وترشيد استهلاك الطاقة، مُقدِّمًا إيَّاها على مشروعات أساسية جوهرية تتصدر أولويات الدول النامية التنموية، مثل توفير مياه الشرب والغذاء والرعاية الصحية والتعليم. كما أن هذا الصندوق (صندوق النقد الدولي) يُصرُّ في وصفاته الاقتصادية التي تعتبر شرطًا لأية تسهيلات ائتمانية يقدمها للدول النامية، على زيادة أسعار وقود السيارات فيها بمعدلات كبيرة. ومثَّل هذا الهاجس البترولي ذعرًا عالميًا انتقل بتأثيره إلى جميع الدول الرئيسية المستهلكة للبترول ؛ فاتسعت وتيرة التنافس المحموم بين تلك الدول ؛ حيث نجد تنافسًا شرسًا بين كلٍ من العالم الغربي من جهة والصين والهند من جهة أخرى على تملك مصادر الطاقة والدخول إلى مناطق عديدة في أفريقيا وآسيا الوسطى وأمريكا الجنوبية ؛ بحثًا عن مناطق احتياطات بترولية، بل وحتى التدخل العسكري تحت شعار تحقيق الديموقراطية في بعض مناطق العالم قد تمَّ تبريره، مثل غطاءً في كثير من الحالات للتنافس حول مصادر الطاقة في العالم بين هذه الدول، وإن كان هذا لا ينطبق على الصين والهند، أو لِنَقُلْ ليس بعد.
أمَّا على مستوى الاقتصاد الخليجي فإن هذه التطورات العالمية تمثل اتجاهًا يصعب التقليل من خطورته، ويكشف مساوئ استمرار دولنا الخليجية في الاعتماد المطلق على إيرادات صادرات البترول الخام، كما يُعلنُ الحاجة إلى تكثيف الحوار مع المستهلكين في إطار منتدى الطاقة العالمي الذي تستضيف السعودية أمانته العامة ؛ لإيجاد تفهُّم مشترك أكبر يقلل من «الفوبيا البترولية»، ويعطي مزيدًا من الاطمئنان للمستهلكين الذين تأثروا بالتصريحات السياسية التي تنادي بتخفيض الاعتماد على البترول المستورد، والتوضيح لهذه الدول بأن مسألة تخفيض الاعتماد على الواردات لم تعد مقبولة في ظل العولمة الاقتصادية، ويفترض أنها قد شُطبت من قواميسه منذ زمن طويل، وأن الاعتماد المتبادل بين الدول هو الشعار الذي يجب أن يسود.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

%d مدونون معجبون بهذه: