Breaking News

أما حان الوقت لتأسيس صندوق السعودية السيادي واللحاق بالركب؟

مَن مِنَا لا يراقب بإعجاب الخطوات الجريئة التي اتخذتها الصناديق السيادية الخليجية في سوق الاستثمارات الدولية، مستغلة الفرص السهلة والرخيصة المتاحة حاليا في هذه الأسواق التي تبحث عن تمويل لإنقاذها من الوضع الذي غدت عليه، في ظل الأزمات الاقتصادية التي تمرُّ بها مختلف الدول، وعلى رأسها الدول المتقدمة.
ومع أنّ الكويت كانت لها الأولوية في تأسيس صندوقها السيادي (عام 1953، والمعروف بصندوق الأجيال القادمة)، إلا أن صناديق قطر وأبوظبي أصبحت فرسان الرهان.
وغدت في السنوات الأخيرة تجوب العالم بحثًا عن الاستثمارات الجيدة التي تدر عليها عائدات منتظمة على مدار السنوات المقبلة، من خلال الاستثمار في مجالات عديدة ومتنوعة، منها: مجالات العقارات، وشركات النفط وشركات الطاقة بشكل عام، ومجالات الرياضة والمتاجر وصناعة السيارات والطائرات وغيرها.
وقد تمَّ تحديد تلك المجالات واختيارها دون سواها استنادًا إلى دراسات وتحليلات دقيقة،ضمنت لإدارة تلك الصناديق درجة عالية من الكفاءة والشفافية، بشهادة المجتمع الدولي، وجنّبتها العشوائية التي توصف بها أحيانا تصرفات العالم النامي.
وتأتي أهمية الصناديق السيادية الخليجية من جهات عدّة، منها:
1 ـــ كونها مبادرات سريعة المردود تسهم في تحقيق التنويع المطلوب للدخل؛ فتقلل من الاعتماد المطلق على النفط، وهو السلعة التي تخضع لتقلبات السوق العالمية وتحيط بمستقبلها الكثير من الشكوك.
2 ـــ ضمان تلك الصناديق – إن أُحْسِنَ إدارتها – لعائدات مالية منتظمة للأجيال القادمة، حتى في حال تدهور عائدات الدولة الخليجية من النفط.
3 ـــ عملها بمثابة صمام أمان، يدرأ بعض مخاطر المستقبل، ويقلل من تأثيرات الأزمات الاقتصادية العالمية في الاقتصادات المحلية، وخاصة في ظلِّ عدم امتلاك تلك الاقتصادات وسائل التحكم في سوق النفط، السلعة الوحيدة التي يكاد يعتمد عليها اعتمادا كاملا في تمويل تنميته بكل عناصرها.
والجدول المرفق يبين ترتيب الصناديق السيادية من حيث حجم المبالغ.
(واحتلت السعودية المركز الرابع من حيث حجم المبالغ المودعة في سندات الخزانة والأذونات قصيرة الأجل في الخارج).
1) الاحتياطيات النقدية المودعة في الخارج من قبل مؤسسة النقد العربي السعودي.
المصدر: ويكيبيديا 27 سبتمبر 2012.

والأمر الذي لا يكاد المرء يجد له تفسيرًا مقنعًا هو تردد السعودية في تبنِّي مثل هذه الخطوة، على الرغم من إدراك الجميع لأهميتها القصوى، في عصر تمتلئ فيه خزانة الدولة بالفوائض المالية الضخمة، الناجمة عن الارتفاعات الكبيرة في الأسعار العالمية للنفط، وفي معدلات إنتاجنا منه خلال الأعوام الأخيرة.
وكنت قد طالبت ـ في مقال لي في جريدة “الشرق الأوسط” على مدار حلقات أربع (أكتوبر 2004) ـ بإنشاء مثل هذا الصندوق السيادي لكل دول الخليج العربي، مبينا أهمية ذلك ومستشهدا بالتجربة النرويجية ( وليس التجربة الدنماركية) وهو الأمر الذي لم يتحقق بالنسبة للسعودية وأخشى أن ينطبق علينا قول الشاعر:
وعاجز الرأي مضياع لفرصته  …  حتى إذا فات أمر عاتب القدرا

وأعتقد جازما أن الفرصة لم تفت بعد لإنشاء السعودية صندوق سياديٍّ ذي قواعد وضوابط، تستثمر فيه الحكومة معظم فائض أموالها، فيكون بمثابة صندوق للمستقبل، يقينا شر تقلبات السوق النفطية، ويصبح مصدرًا مهمًّا لعائدات سنوية منتظمة تُموَّل بها وبغيرها عملية التنمية في بلادنا.
على أنْ يرتبط بالمجلس الاقتصادي الأعلى، والذي يرأسه خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله، ويكون تحت إشراف جهاز مستقل ويتمتع بشفافية عالية، تُنتقى له أفضل الخبرات المحلية، وهي ـ ولله الحمد ـ متوافرة.

مبررات تأخير تأسيس الصندوق في الماضي
لقد اعتمد عدم التحمس لفكرة تأسيس الصندوق السيادي للمملكة على العديد من المبررات التي يتجدّدُ تقديمها كلما تجدَّدَ تناول فكرة إنشاء الصندوق إعلاميًّا. ويأتي على رأس تلك المبررات ما يلي:
الصادرات النفطية ما زالت تمثل نحو 95 في المائة من مجمل الصادرات السعودية. «الاقتصادية»

التبرير الأوَّل: الطاقة الاستيعابية للاقتصاد السعودي أكبر بكثير من مثيلاتها في بقية دول مجلس التعاون الخليجي؛ واستنادًا إلى ذلك يرى غير المتحمسين لفكرة تأسيس الصندوق، أنَّ من الأولى إنفاق العائدات النفطية محليًّا بدلاً من استثمارها دوليًّا.
ويُضعِفُ هذا المبرر أن السعودية ـ على الرغم من الإنفاق الحكومي الكبير محليًّا ـ تتمتع بفوائض نقدية تتجاوز ستمائة ألف مليون دولار، معظمها مودع في سندات الدين العام في دول العالم المتقدم.
وبناءً عليه، لا يمكن أنْ يُتصوَّر أنّ تأسيس صندوق سيادي سيكون على حساب ما يمكن أن تنفقه الحكومة السعودية على برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

التبرير الثاني: التخوُّف من فرض بعض الدول الأجنبية المستثمر فيها قيودًا على هذا النوع من الاستثمارات السيادية، خشية التأثيرات المحتملة على سيادتها وقراراتها السياسية والاقتصادية.
وهذا التخوف قد تم تجاوزه؛ وذلك لأنَّ كثيرًا من التشريعات التي أصدرها عدد محدود من الدول ـ على رأسها ألمانيا والولايات المتحدة ـ تتطلب أخذ موافقة مسبقة من البرلمان (أو الكونجرس) والحكومة، فيما يخص الحصص الاستثمارية للصناديق السيادية التي تتجاوز نسبة الـ (25 %) من مجمل رأسمال المؤسسة أو الشركة المستثمر فيها؛ ضمانًا لعدم سيطرة الجهات المالكة لتلك الحصص على اتخاذ القرارات في تلك الدول، وما يتبع ذلك من التأثير السياسي اللاحق.
ومع توفُّر الكم الكبير والهائل من الفرص الاستثمارية الدولية،أصبح بإمكان الصناديق السيادية إمّا تجنب الدول ذات القوانين المتشددة،أو الاكتفاء بنسب أقل من (25  % ) في حال خشيتها عدم قدرتها على الصمود للمواجهة سياسيا، أو عدم رغبتها في دخول معارك علنية للظفر بحصص أعلى من هذه النسبة.

التبرير الثالث: التخوّف من احتمال أنْ يرافق إنشاء الصندوق السيادي السعودي مخاطر كبيرة؛ نتيجة لتقلبات الأسواق العالمية في السنوات الأخيرة، وما صاحب ذلك من دخول العديد من الدول في دوامة الركود الاقتصادي.
وتجنبا لذلك الاحتمال، يرى البعض أنَّه من الأفضل الإبقاء على الاحتياطيات النقدية السعودية في حالة شبه سائلة، وإنْ جاءت ـ كما هو الحال الآن ـ عوائدها متدنية جدًا، حتَّى أنَّها أقلّ من معدلات التضخم العالمي السنوية. واستمرار الأخذ بذلك الرأي يعني حدوث تدهور منتظم في القيمة الحقيقية لهذه العوائد سنويًّا.
وقد استخدمَ هذا التبرير ما لحق ببعض الصناديق السيادية من خسائر ـ على الورق ـ نتيجة للأزمة الاقتصادية، للتدليل على صحة التخوف، وعلى أنَّ عدم إنشاء السعودية لصندوق سيادي قد جنَّبها الوقوع في مثل تلك الخسائر.
وهذا المنطق غير مقبول على الإطلاق، ولو أنّه كان صائبًا لأغلقت النرويج وبقية الدول صناديقها السيادية إلى غير رجعة في ظل التوقعات بطول أمد الأزمة الاقتصادية التي يعانيها الاتحاد الأوروبي وانعكاساتها على بقية اقتصادات العالم، وهو الأمر الذي لم ولن يحدث.

التبرير الرابع: إن وجود الصندوق المعروف بـ “سنابل”، يغني عن إنشاء صندوق سيادي سعودي، من وجهة نظر الجهة المسؤولة عن إنشاء الصناديق.
والحقيقة أنَّه لا يمكن اعتبار “سنابل” صندوقًا سياديًّا لدولة بحجم المملكة وحجم احتياطياتها النقدية؛ فرأسمال ذلك الصندوق ضئيلٌ جدًّا، لا يتجاوز بليون ريال، في حين نجد أنّ رأسمال صندوق أبوظبي السيادي – على سبيل المثال – يقدر بحولي 630 بليون دولار (ويمثل الصندوق السيادي الأول على مستوى العالم)، وصندوق الاستقرار النفطي النرويجي بنحو 620 بليون دولار، ولا نعلم مصير صندوق ” سنابل” لافتقار الشفافية بشكل عام.

ضرورات تأسيس الصندوق السيادي السعودي
إننا حينما نتحدث عن تأسيس الصندوق السيادي وضرورات ذلك، فإننا لا نقصد الحاجة إليه وإلى عائداته في هذه الفترة الذهبية الحالية التي يعيشها الاقتصاد السعودي نتيجة طفرة أسعار النفط وإنتاجنا منه، وننعم فيها نتيجة لذلك بزيادة الإنفاق الحكومي على مختلف القطاعات الاقتصادية وعلى وجه الخصوص قطاع التجهيزات الأساسية.
كما أن الإنفاق على البرامج الاجتماعية والإعانات والحوافز التي تقدمها الحكومة قد تضخم بشكل غير مسبوق بغض النظر عن الحاجة إلى هذه البرامج ووجاهتها، والاستفادة الحقيقية منها.
إنما المقصود هو حاجتنا إلى استمرارية العائدات في سنوات النفط العجاف بقدر يعوض النقص في الإيرادات النفطية في تلك الفترة، فنستثمر ما نوفره في السنوات السمان ليدر علينا دخلا كافيا في السنوات العجاف والتي قد يطول أمدها – لا قدر الله – وبذلك نضمن رفاهية الأجيال القادمة.
وإذا ما نظرنا إلى الواقع الحالي للاقتصاد السعودي فإن السؤال الذي يطرح نفسه يتمثل في مدى القدرة على تحقيق معدلات نمو اقتصادي منتظمة في السنوات المقبلة إذا ما تغيرت طبيعة سوق النفط العالمية، وهو ما يدفعنا إلى القلق نوعا ما حول المستقبل من المنطلقات التالية:

أولا: إن أحدث دراسة (8-9 أغسطس – سبتمبر 2012) قامت بها مؤسسة أبيكورب التابعة لمنظمة الأوابك العربية، توضح أن السعر المطلوب للبرميل من النفط والذي يحقق توازن الميزانية (نقطة التعادل) في دول مجلس التعاون قد ارتفع بشكل كبير في السنوات الأخيرة، وضربت المؤسسة مثلا بأن السعودية تحتاج إلى سعر برميل في حدود 95 دولارا للبرميل لتتوازن ميزانيتها الحالية، والقادمة إن لم تطرأ عليها زيادة. وبالتالي فإن أي تدهور في أسعار النفط عن هذا المستوى سيؤدي حتما إلى أمرين :

* تقليص الإنفاق الحكومي ليتماشى مع سعر التعادل الجديد لبرميل النفط.
* السحب من الاحتياطيات النقدية – المتآكلة أصلا في قيمتها الحقيقية نتيجة وضعها في استثمارات شبه سائلة وبعوائد متدنية جدا- وباستمرار هذا السحب لتغطية عجوزات الميزانية، فقد نصل إلى تكرار تجربتنا في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الميلادي الماضي حينما أدى بنا العجز المتواصل للميزانية السعودية إلى تراكم الدين العام ووصل وقتها غالى مستويات عالية جدا.

ثانيا: إن خطوات تنويع الاقتصاد السعودي بطيئة جدا على الرغم من المشروعات العملاقة العديدة التي تم تأسيسها، ويعود ذلك إلى العديد من الأسباب :

1- محدودية الفرص في القطاعات الاقتصادية الأخرى – عدا قطاع النفط والغاز – في توفير تنويع حقيقي يضاهي أو يقترب من دخل المملكة من النفط.
فالصادرات النفطية ما زالت تمثل نحو 95 في المائة من مجمل الصادرات السعودية.
2- إن هنالك نوعا من التراخي يصيبنا نحن كسعوديين تجاه إصلاح اقتصادنا والعمل الجاد لتنويعه طالما كانت أسعار النفط مرتفعة وكانت عوائدنا منه عالية ومريحة.
3- غياب رؤية واستراتيجية واضحة لما نريده لاقتصادنا خلال الفترة المقبلة.
4- إن هنالك شعور غير صحيح ولا يتماشى مع الوقائع التاريخية أو الحالية، بأنه ليست هنالك تخوفات حقيقية حول مستقبل سوق النفط العالمية، وإن أسعار النفط عند مستويات 100 دولار للبرميل فما فوق ومستوى إنتاج نفطي للمملكة عند مستويات عشرة ملايين برميل يوميا فما فوق مضمون لسنوات طويلة في المستقبل، وكأننا استشرنا “قارئ الفنجان” ليخبرنا بتوقعاته هذه، متناسين التغييرات الهيكلية والأساسية التي تمر بها سوق النفط العالمية حاليا والتي تنذر بفقدان تدريجي للأهمية النسبية للنفط في ميزان الطاقة العالمي .

لقد تحدثنا كسعوديين عن تنويع اقتصادنا منذ خطة التنمية الخمسية الأولى عام 1970 حيث كان الهدف الأول لهذه الخطة هو العمل على تحقيق هذا التنويع، ولكن يبدو أننا وضعنا هذا الهدف دون أن تكون لدينا رؤية واضحة حول كيفية تحقيقه وماهية الوسائل والآليات اللازمة لتحقيقه، فأضحى هذا هدفا دون مضمون، وشعارا دون معنى، ولم نستفد من تجارب الدول الأخرى حين اختارت التوجه نحو الاقتصاد المعرفي ونجحت في النهوض باقتصاداتها دون أن تمتلك موارد طبيعية مثل البترول الذي نملك احتياطيات ضخمة منه.

وختاما، فإن تأسيس السعودية صندوقا سياديا أصبح ضرورة ملحة في ظل الفوائض النقدية التي تضخمت لدى مؤسسة النقد – والحمد لله، فلا هو مجد ولا مقنع أن وجود هذه الفوائض في صندوق النقد الدولي وفي أدوات الدين العام من سندات الخزانة في الخارج وغيرها، أو في تغييرات محفظة العملات الأجنبية التي نمتلكها، فكلها تمثل تحركا محدود المردود، أقل بكثير من معدلات التضخم العالمية مما يؤدي إلى تآكل في قيمة هذه الفوائض الحقيقية، ولا يوفر عائدات منتظمة للمستقبل تعوض تدريجيا عن العوائد النفطية متى ما تناقصت الأهمية النسبية لسلعة النفط عالميا.

About The Author

Related posts

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

%d bloggers like this: