Breaking News

أرامكو ترمي بثقلها في القطاع لتلبية احتياجات السوق محليا وعالميا

 

يوفر الغاز الطبيعي 22٪ من الطاقة المستخدمة في جميع أنحاء العالم، ويشكّل ما يقرب من ربع توليد الكهرباء، وكذلك يلعب دوراً حاسماً كمادة وسيطة للصناعة. ويعد الغاز الطبيعي وقوداً متعدد الاستخدامات ويرتبط نموه جزئياً بفوائده البيئية، مقارنة بالوقود الأحفوري الآخر، من حيث انبعاث الغازات الضارة. وقد أصبح هذا القطاع أكثر انتشاراً، بفضل زيادة إنتاج الغاز الصخري، وأيضاً زيادة الإمدادات فيه. كما يستمر تطور السوق في تغيير العلاقة بين المشترين والبائعين، ويثير تحديات جديدة للأمن العالمي لإمدادات الطاقة.

وفي هذا الإطار، أوضح التقرير السنوي لأمن الغاز، الذي تصدره الوكالة الدولية للطاقة، أنه يتم حالياً إعادة تشكيل أسواق الغاز العالمية وفق تطورين رئيسين: زيادة استهلاك كبار المشترين (مثل الصين)، وارتفاع الإنتاج والصادرات من الولايات المتحدة، مما أدى إلى تحولات عميقة في أسواق الغاز الطبيعي.

وقال فاتح بيرول، المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية، إنه “على الرغم من أن للغاز مستقبلاً مشرقاً فإن سوقها لا تخلو من تحديات. وتشمل هذه التحديات أولاً: ضرورة بقاء أسعار الغاز في متناول يد الجميع مقارنة بالوقود الآخر، خصوصاً في الأسواق الناشئة، وثانياً: أن تعمل الصناعة على كبح تسرب الميثان في البيئة”.

ويستكشف تقرير الوكالة الأخير هذه التحولات الهيكلية والاتجاهات الأخرى التي ستحدد تطور السوق على مدار السنوات الخمس المقبلة. ويشير إلى أن الصين دخلت بقوة، في السنوات الأخيرة، مشهد الغاز العالمي مدفوعةً بالنمو الاقتصادي المستمر، وأيضاً الدعم السياسي القوي للحدّ من تلوث البيئة، عبر التقليل من استخدام النفط. ومن المقرر أن يصبح قطاع الصناعة الصيني المحرك الرئيس للطلب على الغاز الطبيعي في السنوات الخمس المقبلة.

ومن المتوقع أن يزداد الطلب العالمي على الغاز الطبيعي بمعدل 1.6٪ خلال الفترة المذكورة، مع اعتبار الأسواق الآسيوية الناشئة المحرك الرئيس للطلب. وتمثل الصين وحدها ثلث نمو الطلب العالمي حتى عام 2022، ويرجع الفضل في ذلك جزئياً إلى سياسة “السماء الزرقاء” للحكومة الصينية والدافع القوي لتحسين جودة الهواء والبيئة.

ومن المنتظر أن تكون الصناعة هي المحرك الرئيس لنمو استهلاك الغاز في الصين، بقيادة قطاعي المواد الكيمياوية والتصنيع، بالإضافة إلى القطاعين السكني والتجاري اللذين يشهدان أيضاً تحولاً مستمراً، من استخدام  الفحم إلى استخدام الغاز. وعلى المستوى العالمي أيضاً، فمن المقرر أن يحلّ قطاع الصناعة محل توليد الطاقة كمحرك رئيس للنمو، مع استخدام الغاز الطبيعي كمواد خام للمواد الكيمياوية- وليس فقط توليد الطاقة- ويشمل ذلك الأسمدة في الاقتصادات الناشئة والمواد الخام للبتروكيماويات في المناطق التي تنتج غازاً طبيعياً بكميات وفيرة.

أهمية الاستثمار في توسع البنية التحتية

كما أن الغاز الطبيعي المسال هو أيضاً المحرك الرئيس لنمو التجارة العالمية، إذ ارتفعت مبيعات الغاز العالمية بدرجة كبيرة، خصوصاً من كبار المنتجين مثل الولايات المتحدة وروسيا وأستراليا. وفي المقابل لا تزال اليابان أكبر مستورد للغاز الطبيعي المسال، لكن الصين والأسواق الآسيوية النامية الأخرى هي التي تشهد زيادة كبيرة في حصتها في التجارة، حيث يتوقع أن تصل إلى 45٪ من حجم التجارة العالمية بحلول عام 2023، أي أكثر من ضعف حصتها في عام 2013.

وبالنظر إلى التوسع الكبير في إنتاج الغاز والإقبال عليه، فينبغي منح أهمية قصوى لتوسيع البنية التحتية لصناعة تسيّل الغاز بغرض تصديره. ومن المقرر أن تثمر الموجة الحالية من هذه المشاريع بحلول نهاية عام 2020. وإذا لم تتم استثمارات جديدة مستقبلية في البنية التحتية فإن النمو المستمر في إنتاج الغاز الطبيعي المسال سيتعطل ما لم يواكبه تطوير في إمكانيات التسيّل والتصدير والتجارة، وأن ذلك التعطل قد يحدث بحلول عام 2023، بل إن المدة الطويلة التي تستغرقها هذه المشروعات تحتمّ على المستثمرين الإسراع في اتخاذ قرارات الاستثمار لضمان توفير إمدادات كافية من الغاز خلال العقد المقبل.

ويخلص تقرير وكالة الطاقة الدولية إلى أنه على الرغم من وجود تحسن حقيقي في مرونة تجارة الغاز الطبيعي المسال، مما أسهم في التخفيف من نقص الإمدادات، فلا تزال هناك شكوك حول التطور المستقبلي لأسواق الغاز. وقد أبرز نقص إمدادات الصين خلال فصل الشتاء الماضي- وتأثير ذلك على جميع أنحاء العالم- الدور المحوري للغاز الطبيعي في تعزيز أمن الطاقة العالمي. وفي أوروبا أيضاً أظهرت الاستجابة لسلسلة من النوبات الباردة وانقطاعات إمدادات الغاز غير المخطط لها، أهمية تعزيز إجراءات التكامل بين مناطق العالم المختلفة، بما في ذلك سياسة الطوارئ.

وحذر خبراء في شؤون الطاقة والنفط لذلك من عدم الاستثمار في البنية التحتية في المستقبل، مما قد يشكل خطراً حقيقياً على الاستقرار، باعتبار أن شرط بقاء سوق الغاز الطبيعي مرناً ومنتعشاً يتطلب ضخ المزيد من تطوير القطاع، كما أن حالة عدم اليقين حول هذه الاستثمارات سيكون لها تأثير على تقلّب الأسعار وإلحاق الأذى بالمستهلكين، لا سيما المشترين الناشئين لأنهم أكثر حساسية للأسعار، فضلاً عن التسبب في مخاوف أمنية إضافية تنتج عن نقص الطاقة، حتى لو كانت غير مرتبطة مباشرة به.

ويتناول أيضاً تقرير الوكالة الدولية للطاقة أهمية أن تعيد أسواق الغاز الطبيعي المسال تغيير احتياجات الشحن، إذ أن خطر نقص الاستثمار في الوقت المناسب في أسطول ناقلات الغاز الطبيعي المسال وخطوط الأنابيب يمكن أن يشكل تهديداً آنياً لنمو السوق وأمن التوريد، حتى قبل بدء المعاناة من عدم توسيع طاقة تسييل الغاز.

استثمارات أرامكو في الغاز

في هذا الصدد بدأت شركة أرامكو السعودية، وهي أكبر شركة نفط في العالم، الاهتمام بقطاع الغاز الطبيعي لمواكبة التوسع العالمي في هذه الصناعة. حيث أبرمت الشركة أخيراً اتفاقاً مع شركة “سيمبرا” الأميركية، مدته 20 عاماً، لشراء الغاز الطبيعي المسال من وحدة تابعة لسيمبرا. وتعمل السعودية على وضع اللمسات النهائية على الاستثمار في ملكية حصة نسبتها 25% في المرحلة الأولى من مشروع “بورت آرثر” للغاز الطبيعي المسال، وهو مشروع تصدير يقع في ولاية تكساس الأميركية ولا يزال قيد الإنشاء. وذكر بيان مشترك للشركتين أن اتفاق البيع والشراء يتعلق بخمسة ملايين طن سنوياً من غاز “بورت آرثر”.

 ويشير د. محمد الصبان، الخبير السعودي في النفط، إلى أن “الاستثمار في الغاز مطروح بقوة وفي البنية التحتية في المنطقة، وهو قطاع يحقق عوائد جيدة في وقتنا الحالي”.

وأوضح أنه “قبل الاتجاه نحو الاستثمار في الغاز علينا تطوير البنية التحتية، وأن الغاز الطبيعي أصبح مصدرا أساسياً للطاقة النظيفة، وبالفعل أرامكو اتجهت إلى هذا الاستثمار في إطار تنويع مصادر الاستثمار في الطاقة، وهو حديث استراتيجي يتماشى مع رؤية 2030”. وذكر أنه “بالنسبة إلى اتّفاق أرامكو مع الشركة الأميركية، فهو يأتي في سياق الاستثمار الاقتصادي البحت وليس له علاقة بالأمور السياسية، بخاصة وأن الغاز الصخري من أرخص أنواع الغاز في العالم، حيث يباع في حدود 2.5 دولار لكل مليون وحدة غاز، وهو من أرخص الأسعار، كما أنها فرصة قوية لأرامكو وغيرها من الشركات بل والحكومات بدلا من شراء الغاز من أميركا، حيث يمكن تصديره إلى الأسواق التي تستورده وعددها كبير”.

وتوقع الصبان “ارتفاع الطلب الصيني على الغاز، حيث تجرى تحولات اقتصادية من الفحم إلى الغاز في توليد الكهرباء، كما أن احتياطيات الغاز بها محدودة ولذلك اتجهت إليها روسيا ومن هنا قد تفتح لأرامكو طريقا لبيع الغاز إلى الصين وبعض دول آسيا مستقبلا”.

ويرى د. الصبان، وهو المتخصص في عالم النفط، أن “هناك اتجاها عالميا للاستثمار في الغاز نظرا للتغيير نحو استخدامه في توليد الكهرباء وفي تحلية المياه بدلا من استهلاك الزيت الخام، وكلما تم إحلال الغاز الطبيعي والطاقة المتجددة في البتروكيماويات وتوليد الكهرباء، كلما كانت هناك فرصة للتوسع في التصدير لكل دول العالم”.

وتجد السعودية صعوبة في استغلال احتياطيها من الغاز الطبيعي بسبب غلاء كلفته مقارنة بمنتجين كبار مثل روسيا. ولطالما تعامل المسؤولون السعوديون مع الغاز بوصفه سلعة أقل ربحية من النفط، رغم أن البلاد تختزن خامس أكبر احتياطي للغاز الطبيعي في العالم. لكن استدارة أرامكو نحو الغاز الأميركي والذي يعتبر رخيصاً نسبياً مقارنة بأنواع الغاز الأخرى، فتح أبوابا جديدة في السوق الدولي، خصوصا وأن أرامكو تمتلك أكبر مصفاة في الولايات المتحدة، والتي تقع أيضاً في بورت آرثر، ضمن مساعي الشركة لبناء بصمة لها في صناعة الغاز الطبيعي المسال.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

%d مدونون معجبون بهذه: